- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَالَ لِلْجَهْلِ بِصِفَاتِ الرَّاوِي (وَلَا بَأْسَ بِالْجَهَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرْسِلَ إذَا كَانَ ثِقَةً لَا يُتَّهَمُ بِالْغَفْلَةِ عَلَى حَالِ مَنْ سَكَتَ عَنْهُ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي ثِقَةٌ يُقْبَلُ مَعَ الْجَهْلِ، وَلَا يَعْزِمُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ الثِّقَةِ. وَمُرْسَلُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ يُقْبَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لِمَا ذَكَرْنَا وَيُرَدُّ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ الْفِسْقِ وَالْكَذِبِ إلَّا أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ مِثْلَ إرْسَالِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَمْثَالِهِ. وَأَمَّا الِانْقِطَاعُ الْبَاطِنُ فَإِمَّا بِالْمُعَارَضَةِ أَوْ بِنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِمَّا بِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَوْله تَعَالَى)
بِالنَّصْبِ أَيْ: كَمُعَارَضَةِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَوْله تَعَالَى فَنُصِبَ قَوْله تَعَالَى لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ الْمُعَارَضَةِ {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: ٦] أَمَّا فِي السُّكْنَى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي النَّفَقَةِ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: ٦] يُحْمَلُ عِنْدَنَا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهِيَ: وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ وَكَحَدِيثِ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) قَوْله تَعَالَى بِالنَّصْبِ أَيْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهَكَذَا الْأَمْثِلَةُ الَّتِي تَأْتِي {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ، وَعِنْدَ عَدَمِ الرَّجُلَيْنِ أَوْجَبَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَحَيْثُ نَقَلَ إلَى مَا لَيْسَ بِمَعْهُودٍ فِي مَجَالِسِ الْحُكْمِ دَلَّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ الْيَمِينِ) فَإِنَّ حُضُورَ النِّسَاءِ لَا يُعْهَدُ فِي مَجَالِسِ
ــ
[التلويح]
الْمُصَرَّاةِ) صَرِيحٌ فِي كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ لَا لِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُرَدُّ) أَيْ: خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مُقَدَّمٌ؛ لِكَوْنِهِ قَطْعِيًّا مُتَوَاتِرَ النَّظْمِ لَا شُبْهَةَ فِي مَتْنِهِ، وَلَا فِي سَنَدِهِ لَكِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي عُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَظَوَاهِرِهِ فَمَنْ يَجْعَلُهَا ظَنِّيَّةً يَعْتَبِرُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ عَلَى شَرَائِطِهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ وَمَنْ يَجْعَلُ الْعَامَّ قَطْعِيًّا، فَلَا يَعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي مُعَارَضَتِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الظَّنِّيَّ يَضْمَحِلُّ بِالْقَطْعِيِّ، فَلَا يُنْسَخُ الْكِتَابُ بِهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ، وَمَا خَالَفَهُ فَرُدُّوهُ» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ أَعْنِي: الْمُتَوَاتِرَ وَالْمَشْهُورَ، فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا فَكَيْفَ يُثْبِتُ بِهِ مَسْأَلَةَ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: ٧] ، وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ الْمُحَدِّثُونَ بِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ يَزِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَتَرَكَ فِي إسْنَادِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الْأَشْعَثِ وَثَوْبَانَ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ، وَإِيرَادُ الْبُخَارِيِّ إيَّاهُ فِي صَحِيحِهِ لَا يُنَافِي الِانْقِطَاعَ أَوْ كَوْنَ أَحَدِ رُوَاتِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالرِّوَايَةِ فَإِنْ قِيلَ الْمَشْهُورُ أَيْضًا لَا يُفِيدُ عِلْمَ الْيَقِينِ فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ فِي مُعَارَضَةِ عُمُومِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.