الْآخِرَةِ لَا تُوجِبُ إلَّا الِاعْتِقَادَ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ يَتَرَجَّحُ الصِّدْقُ، وَلَنَا هَذِهِ الدَّلَائِلُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا عَمَلَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ قَطْعِيٍّ، وَالْعَقْلُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ.
وَالْأَحَادِيثُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْهَا مَا اشْتَهَرَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ مَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّهَا تُوجِبُ عَقْدَ الْقَلْبِ، وَهُوَ عَمَلٌ فَيَكْفِي لَهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَفِي هَذَا
ــ
[التلويح]
وَأَمَّا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَأَكْثَرُ أَخْبَارِ الْآحَادِ نُقِلَتْ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْأَحَادِيثِ وَتَدْوِينِهَا فِي الْكُتُبِ، وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ رَاوِيهِ الْأَوَّلُ مُتَنَزِّهًا عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ لَا يُفِيدُ عِلْمَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ كَمَا يَشْتَهِرُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ فِي الْبِلَادِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثُ، وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ) يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَقِيلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْهُمَا وَقِيلَ يُوجِبُهُمَا جَمِيعًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ وَقَدْ دَلَّ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦] {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ} [الأنعام: ١١٦] عَلَى اسْتِلْزَامِ الْعَمَلِ الْعِلْمَ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ أَيْضًا احْتِجَاجًا بِنَفْيِ اللَّازِمِ، وَهُوَ عِلْمٌ عَلَى نَفْيِ الْمَلْزُومِ وَطَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ أَيْضًا احْتِجَاجًا بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنَعَ اللُّزُومَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِدَفْعِ الدَّلِيلِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ إلَّا أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ظُهُورِهِ.
وَهُوَ أَنَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ قَدْ ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ، وَلَا عُمُومَ لِلْآيَتَيْنِ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِدْرَاكِ جَازِمًا مَا كَانَ أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، وَالظَّنُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْوَهْمِ وَاسْتُدِلَّ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ} [التوبة: ١٢٢] الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ لَوْلَا هَهُنَا لِلطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ لِامْتِنَاعِ التَّرَجِّي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالطَّائِفَةُ بَعْضٌ مِنْ الْفِرْقَةِ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ إذْ الْفِرْقَةُ هِيَ الثَّلَاثَةُ فَصَاعِدًا وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْآحَادِ يُوجِبُ الْحَذَرَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْفَتْوَى فِي الْفُرُوعِ بِقَرِينَةِ التَّفَقُّهِ وَيَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْقَوْمِ بِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَلْزَمُهُ وُجُوبُ الْحَذَرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ وَمَحَالٌّ؛ عَلَى أَنَّ كَوْنَ لَوْلَا لِلْإِيجَابِ وَالطَّلَبِ مَحَلُّ نَظَرٍ ثُمَّ قَوْله تَعَالَى {كُلِّ فِرْقَةٍ} [التوبة: ١٢٢] ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ خُرُوجِ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ ثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبِلَ خَبَرَ بَرِيرَةَ فِي الْهَدَايَا وَخَبَرَ سَلْمَانَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ حِينَ أُتِيَ بِطَبَقِ رُطَبٍ فَقَالَ هَذَا صَدَقَةٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْأَكْلِ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقِ رُطَبٍ وَقَالَ هَذَا هَدِيَّةٌ فَأَكَلَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْأَكْلِ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُرْسِلُ الْأَفْرَادَ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَى الْآفَاقِ لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ، وَإِيجَابِ قَبُولِهَا عَلَى الْأَنَامِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمٌ بِصِدْقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ دُونَ الْوُجُوبِ.
فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.