ذلك بنفسه فإن المقصود الصرف
وأما عين الصارف فإنما نطلبه لمصارف دقيقة في المصالح فلا يترك أصل الصرف بسبب العجز عن صارف هو أولى عند القدرة عليه
فإن قيل ما دليل جواز التصدق بما هو حرام وكيف يتصدق بما لا يملك وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام وحكي عن الفضيل أنه وقع في يده درهمان فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضى لغيري مالا أرضاه لنفسي فنقول نعم ذلك له وجه واحتمال وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس أما الخير فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام إذ قال صلى الله عليه وسلم أطعموها الأسارى (١)
ولما نزل قوله تعالى {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} كذبه المشركون وقالوا للصحابة ألا ترون ما يقول صاحبكم يزعم أن الروم ستغلب فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر رضي الله عنه بما قامرهم به قال عليه الصلاة والسلام هذا سحت فتصدق به وفرح المؤمنون بنصر الله وكان قد نزل تحريم القمار بعد أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له في المخاطرة مع الكفار (٢)
وأما الأثر فإن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن فطلبه كثيراً فلم يجده فتصدق بالثمن وقال اللهم هذا عنه إن رضي وإلا فالأجر لي
وسئل الحسن رضي الله عنه عن توبة الغال وما يؤخذ منه بعد تفرق الجيش فقال يتصدق به
وروي أن رجلاً سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له تفرق الناس فأتى معاوية فأبى أن يقبض فأتى بعض النساك فقال ادفع خمسها إلى معاوية وتصدق بما يبقى فبلغ معاوية قوله فتلهف إذا لم يخطر له ذلك وقد ذهب أحمد بن حنبل والحارس المحاسبي وجماعة من الورعين إلى ذلك
وأما القياس فهو أن يقال إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير إذ قد وقع اليأس من مالكه وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر فإنا إن رميناه في البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه وحصل للفقير سد حاجته وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر فإن في الخبر الصحيح إن للزارع والغارس أجراً في كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه (٣)
وذلك بغير اختياره وأما قول القائل لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر
(١) حديث أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت بين يديه وكلمته بأنها حرام إذ قال أطعموها الأسارى رواه احمد من حديث رجل من الأنصار قال خرجنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة فلما رجعنا لقينا راعي امرأة من قريش فقال أن فلانة تدعوك ومن معك إلى طعام الحديث وفيه فقال أجد لحم شاة أخذت بغير أذن أهلها وفيه فقال أطعموها الأسارى وإسناده جيد
(٢) حديث مخاطرة أبي بكر المشركين بأذنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى {الم غلبت الروم} وفيه فقال صلى الله عليه وسلم هذا سحت فتصدق به أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس وليس فيه أن ذلك كان بأذنه صلى الله عليه وسلم والحديث عند الترمذي وحسنه والحاكم وصححه دون قوله أيضا هذا سحت فتصدق به
(٣) حديث أجر الزارع والغارس في كل ما يصيب الناس والطيور أخرجه البخاري من حديث انس ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له صدقة