لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَكَالَّذِي يَعْطَشُ يوم عرفة أو عاشوراء أو في الأشهر الحرم فَلَا يَشْرَبُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أنه غير صائم فإذا ظنوا به الصوم امتنع عن الأكل لأجله أَوْ يُدْعَى إِلَى طَعَامٍ فَيَمْتَنِعُ لِيُظَنَّ أَنَّهُ صائم وقد لا يصرح بأني صَائِمٌ وَلَكِنْ يَقُولُ لِي عُذْرٌ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ خَبِيثَيْنِ فَإِنَّهُ يُرِي أَنَّهُ صَائِمٌ ثُمَّ يُرِي أَنَّهُ مُخْلِصٌ لَيْسَ بِمُرَاءٍ وَأَنَّهُ يَحْتَرِزُ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ عِبَادَتَهُ لِلنَّاسِ فَيَكُونَ مُرَائِيًا فَيُرِيدُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ سَاتِرٌ لِعِبَادَتِهِ ثُمَّ إِنِ اضْطُرَّ إِلَى شُرْبٍ لَمْ يَصْبِرْ عَنْ أَنْ يَذْكُرَ لِنَفْسِهِ فِيهِ عُذْرًا تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا بِأَنْ يَتَعَلَّلَ بِمَرَضٍ يَقْتَضِي فَرْطَ الْعَطَشِ وَيَمْنَعُ مِنَ الصَّوْمِ أَوْ يَقُولُ أَفْطَرْتُ تَطْيِيبًا لقلب فلان ثم قد لا يذكر ذلك متصلاً بشربه كي لا يظن به أن يعتذر رياء ولكنه يصبر ثم يذكر عذره في معرض حكاية عرضا مثل أن يقول إن فلاناً مُحِبٌّ لِلْإِخْوَانِ شَدِيدُ الرَّغْبَةِ فِي أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِنْ طَعَامِهِ وَقَدْ أَلَحَّ عَلَيَّ الْيَوْمَ وَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ تَطْيِيبِ قَلْبِهِ
وَمِثْلَ أن يقول إن أمي ضعيفة القلب مشفقة علي تظن أني لو صمت يوماً مرضت فلا تدعني أَصُومُ فَهَذَا وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنْ آفَاتِ الرياء فلا يسبق إلى اللسان إِلَّا لِرُسُوخِ عِرْقِ الرِّيَاءِ فِي الْبَاطِنِ
فَهَذِهِ دَرَجَاتُ الرِّيَاءِ وَمَرَاتِبُ أَصْنَافِ الْمُرَائِينَ وَجَمِيعُهُمْ تحت مقت الله وغضبه وهو من أشد المهلكات وإن من شدته أن فيه شوائب هي أخفى من دبيب النمل كما ورد به الخبر يزل فيه فحول العلماء فضلاً عن العباد الجهلاء بآفات النفوس وغوائل القلوب والله أعلم