بَابُ الْأَدْهَانُ تُصِيبُهَا النَّجَاسَةُ
ــ
[نيل الأوطار]
عَلَيْهِ بِإِهْمَالِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ مُكَافَأَتُهُ بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ الشَّارِعُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: ٤٠] {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: ١٩٤] قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ. . . إلَخْ) قِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ الْمُنْجِيَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الْمُوصِلِ إلَى رِضْوَانِهِ، وَيُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الْآخِرِ، اسْتَعَدَّ لَهُ وَاجْتَهَدَ فِي فِعْلِ مَا يَدْفَعُ بِهِ أَهْوَالَهُ وَمَكَارِهَهُ، فَيَأْتَمِرُ بِمَا أَمَرَ بِهِ، وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَمَرَ بِهِ إكْرَامُ الضَّيْفِ وَهُوَ الْقَادِمُ مِنْ السَّفَرِ النَّازِلُ عِنْدَ الْمُقِيمِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَالضِّيَافَةُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الدِّينِ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ لَفْظُ جَائِزَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ الْجَائِزَةَ هِيَ الْعَطِيَّةُ وَالصِّلَةُ الَّتِي أَصْلُهَا عَلَى النَّدْبِ، وَقَلَّمَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْوَاجِبِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ الِاهْتِمَامُ بِالضَّيْفِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَإِتْحَافًا بِمَا يُمْكِنُ مِنْ بِرٍّ وَأَلْطَافٍ انْتَهَى.
وَالْحَقُّ وُجُوبُ الضِّيَافَةِ لِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ: إبَاحَةُ الْعُقُوبَةِ بِأَخْذِ الْمَالِ لِمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ. وَالثَّانِي: التَّأْكِيدُ الْبَالِغُ يَجْعَلُ ذَلِكَ فَرْعَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيُفِيدُ أَنَّ فِعْلَ خِلَافِهِ فِعْلُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فُرُوعَ الْإِيمَانِ مَأْمُورٌ بِهَا ثُمَّ تَعْلِيقُ ذَلِكَ بِالْإِكْرَامِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الضِّيَافَةِ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى لُزُومِهَا بِالْأَوْلَى. وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ: فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرُ صَدَقَةٍ بَلْ وَاجِبٌ شَرْعًا. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مَا اتَّسَعَ لَهُ مِنْ بِرٍّ وَأَلْطَافٍ، وَيُقَدِّمُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى عَادَتِهِ، فَمَا جَاوَزَ الثَّلَاثَ فَهُوَ مَعْرُوفٌ وَصَدَقَةٌ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْجَائِزَةُ: الْعَطِيَّةُ. أَيْ يَقْرِي ضَيْفَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يُعْطِيه مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ " فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْوُجُوبِ لَمْ يَأْتِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأْوِيلِهِ. وَالْخَامِسُ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ الَّذِي ذَكَرْنَا: " فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا وُجُوبُ النُّصْرَةِ، وَذَلِكَ فَرْعُ وُجُوبِ الضِّيَافَةِ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَقَرَّرَ ضَعْفُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَكَانَتْ أَحَادِيثُ الضِّيَافَةِ مُخَصِّصَةٌ لِأَحَادِيثِ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ إلَّا بِطِيبَةِ الْأَنْفُسِ، وَلِحَدِيثِ «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» . وَمِنْ التَّعَسُّفَاتِ حَمْلُ أَحَادِيثِ الضِّيَافَةِ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ، وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الْوُجُوبِ بِأَهْلِ الْوَبَرِ دُونَ أَهْلِ الْمُدُنِ اسْتِدْلَالًا بِمَا يُرْوَى أَنَّ الضِّيَافَةَ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ قَوْلُهُ: (أَنْ يَثْوِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ: أَيْ يُقِيمُ قَوْلُهُ: (حَتَّى يُحْرِجَهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ يُوقِعَهُ فِي الْحَرَجِ وَهُوَ الْإِثْمُ لِأَنَّهُ قَدْ يُكَدِّرُهُ فَيَقُولُ: هَذَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.