وليس رحمة له، وبمجرَّد أن تجلَّى ربه للجبل؛ أصبح الجبل دكاً، وخرّ موسى صعقاً.
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾: الفاء: للتعقيب؛ لما: ظرفية زمانية؛ أيْ: حين: ﴿أَفَاقَ﴾: من غيبوبته، وارتد إليه وعيه، وأفاق من صعقته.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾: أيْ: أنزهك تنزيهاً من كل عيب، ونقص، وأنزهك عن الذي تصورته؛ أيْ: تصورت أني أستطيع رؤيتك، وهذا لا يليق بذاتك سبحانك؛ أيْ: لا تشبه خلقك.
﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: وكأن موسى شعر بالذنب بطلب الرؤية، وقد أخطأ، وشعر أنه قد دخل في زمرة الذين ما قدروا الله حق قدره.
وشعر أن ربه قد يبتعد عنه؛ فهو يريد العودة إلى ما كان عليه، وباب العودة معروف: هو التوبة أولاً؛ فلذلك نزه ربه وقال: تبت إليك.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: أول المؤمنين بأن لن يراك أحدٌ من خلقك في الحياة الدنيا، أو أول المؤمنين من بني إسرائيل، أو أول المؤمنين في الإيمان، ودرجة الطاعة، وأول المؤمنين: لا تعني ترتيباً زمنياً؛ لأن هناك الكثير ممن آمن قبل موسى؛ مثل: آدم، ونوح، وإبراهيم ﵈.
وانتبه! إلى قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، ولم يقل: إني تبت إليك؛ لتدل على السرعة في التوبة.
وانتبه! إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أولاً؛ أيْ: نزه ربه أولاً؛ أي: أصلح ما قاله، ثم قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أيْ: تاب ثانياً، ثم قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: عاد، وأعلن إيمانه.