إلَّا أَنَّ التَّحْرِيفَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ ظَاهِرًا وَكَذَلِكَ الْحَسَدُ وَالْعَدَاوَةُ وَالتَّلْبِيسُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَوَقَعَتْ الشُّبْهَةُ فِي نَقْلِهِمْ فَشَرَطْنَا فِي هَذَا أَنْ يَقُصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ احْتِيَاطًا فِي بَابِ الدِّينِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا مِنْ الْأَقْوَالِ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: ٧٨] وَقَالَ {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: ٩٥] فَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَجْرِي هَذَا، وَقَدْ احْتَجَّ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَصْحِيحِ الْمُهَايَأَةِ وَالْقِسْمَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: ٢٨] .
وَقَالَ {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: ١٥٥] فَاحْتَجَّ بِهَذَا النَّصِّ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ نَظِيرُهُ فَثَبَتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا يَقَعُ بِهِ خَتْمُ بَابِ السُّنَّةِ.
ــ
[كشف الأسرار]
نِدَاد ذَرْ بخشش، وَإِنَّك بايت بِرَنْدِ سِرّ بخشش، وَإِنَّك زَهِرَتْ دهد بِدُودِهِ فَتِدْ، وَإِنَّك أزتوبر دند وبيوند تاشوي درجهان وَصَلِّ وَفِرَاق دفترى أَزّ مَكَارِم أَخْلَاق ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَبِيَّنَا كَانَ أَصْلًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ الْمُتَقَدِّمَةَ صَارُوا بِبَعْثِ نَبِيِّنَا بِمَنْزِلَةِ أُمَّتِهِ فِي لُزُومِ اتِّبَاعِ شَرِيعَتِهِ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً وَأَنَّ شَرَائِعَهُمْ قَدْ انْتَهَتْ بِشَرِيعَتِهِ وَصَارَتْ مِيرَاثًا لَهُ وَالتَّهَوُّكُ التَّحَيُّرُ وَالتَّحَوُّكُ أَيْضًا مِثْلُ التَّهَوُّرِ وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الشَّيْءِ لِقِلَّةِ مُبَالَاةٍ وَرَوِيَّةٍ فَصَارَ الْأَصْلُ الْمُوَافَقَةَ وَالْأُلْفَةَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَكَانَ وَارِثًا يَعْنِي لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ وَارِثٌ لِمَا مَضَى مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ صَارَ الْأَصْلُ فِي الشَّرَائِعِ الْمُوَافَقَةَ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْمِيرَاثَ يَنْتَقِلُ مِنْ الْمُوَرِّثِ إلَى الْوَارِثِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَكِنْ بِالشَّرْطِ الَّذِي قُلْنَا وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْإِرْثِ وَمَعْرُوفٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْ مِنْ شَأْنِهِ الْعَمَلُ بِمَا وَجَدَهُ صَحِيحًا فِيمَا سَلَفَ مِنْ الْكُتُبِ غَيْرَ مُحَرَّفٍ كَرَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَنَصَّهُ بِقَوْلِهِ أَنَا أَحَقُّ بِإِحْيَاءِ سُنَّةٍ أَمَاتُوهَا عَلَى وُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَلَى أَنَّ ذَلِكَ صَارَ شَرِيعَةً لَهُ إلَّا أَنَّهُ زِيدَ فِي شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ لِإِيجَابِ الرَّجْمِ الْإِسْلَامُ وَلِمِثْلِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ حُكْمُ النَّسْخِ عِنْدَنَا فَبِبَيَانِ هَذَا أَيْ مَا قُلْنَا مِنْ الْمُوَافَقَةِ وَالْأُلْفَةِ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْأَصْلُ.
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّ التَّحْرِيفَ أَيْ التَّغْيِيرَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ بِمَعْنَى لَكِنْ وَبَيَانٌ لِلْمُخْتَارِ مِنْ الْأَقْوَالِ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَهُوَ أَنْ يَقُصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ قَوْلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: ٧٨] أَيْ اتَّبِعُوهَا وَاحْفَظُوهَا وَقَالَ تَعَالَى {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: ٩٥] يَتَّصِلَانِ بِقَوْلِهِ فَصَارَ الْأَصْلُ الْمُوَافَقَةَ وَالْأُلْفَةَ فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ وَقَدْ امْتَنَعَ ثُبُوتُهَا مِلَّةً لَهُ لِلْحَالِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي فَثَبَتَ أَنَّهَا مِلَّتُهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ فَبَقِيَتْ حَقًّا كَذَلِكَ وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَالْمَالِ الْمَوْرُوثِ مُضَافًا إلَى الْوَارِثِ لِلْحَالِ وَهُوَ عَيْنُ مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ لَا مِلْكٌ آخَرُ لَكِنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْمَالِكِ يَنْتَهِي بِالْمَوْتِ إلَى الْوَارِثِ فَكَذَلِكَ الشَّرِيعَةُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - كَذَا فِي التَّقْوِيمِ ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ احْتَجَّ مُحَمَّدٌ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، فَإِنَّهُ احْتَجَّ فِي تَصْحِيحِ الْمُهَايَأَةِ وَالْقِسْمَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ صَالِحٍ {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: ٢٨] وَقَوْلِهِ {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: ١٥٥] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَا احْتَجَّ بِهِ إلَّا بَعْدَ اعْتِقَادِهِ بَقَاءَ ذَلِكَ الْحُكْمِ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَحْكَامَ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا شَرَائِعَ مَنْ قَبْلَهُ ثُمَّ قِيلَ: إنَّ الْمُهَايَأَةَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْقِسْمَةَ فِي الْعَيْنِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ وَنَبِّئْهُمْ دَلِيلُ جَوَازِ الْقِسْمَةِ وَقَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ إخْبَارًا {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: ١٥٥] دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُهَايَأَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُتَرَادِفَيْنِ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْمُرَادَ قِسْمَةُ الْمَاءِ بِطَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ، فَإِنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدًا اسْتَدَلَّ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ أَيْ قِسْمَةِ الشُّرْبِ بِطَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ بِالْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَالْمُهَايَأَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْهَيْئَةِ وَهِيَ الْحَالَةُ الظَّاهِرَةُ لِلْمُتَهَيِّئِ لِلشَّيْءِ كَأَنَّ الْمُتَهَايِئَيْنِ لَمَّا تَوَاضَعَا عَلَى أَمْرٍ رَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.