وَأَمَّا الْحَالُ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّخْفِيفِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَيَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ الْكَفَّارَةَ بِنَفْسِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ حِنْثٍ فَقَالَ {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: ٨٩] ، وَقَالَ تَعَالَى {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] وَلَمْ يَقُلْ إذَا حَنِثْتُمْ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِنَفْسِ الْيَمِينِ إلَّا فِي الْغَمُوسِ، فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ نَفْيُ الْكَفَّارَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَإِثْبَاتُهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمَعْقُودَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا بَطَلَ التَّدَافُعُ وَالتَّعَارُضُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ أَيْ يُحْمَلَ الْعَقْدُ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ الْمُقَيَّدَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ فَائِدَةِ النَّصِّ فَإِنَّا مَتَى حَمَلْنَا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَ تَكْرَارًا وَحَمْلُ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِفَادَةِ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعَقْدِ رَبْطُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْحَبْلِ بِالْآخَرِ وَالْعَقْدُ الشَّرْعِيُّ يُسَمَّى عَقْدًا لِمَا فِيهِ مِنْ ارْتِبَاطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ أَوْ ارْتِبَاطِ الْكَلَامِ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ إنْ كَانَ الْكَلَامُ وَاحِدًا وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ لَا تَرْتَبِطُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ حُكْمًا إلَّا أَنَّهَا سَبَبُ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ فَانْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَقْدِ فَكَانَ مَجَازًا، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِالتَّشْدِيدِ كَمَا قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، وَبِالتَّشْدِيدِ لَا يُحْتَمَلُ عَقْدُ الْقَلْبِ أَصْلًا فَكَانَ حَمْلُ الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَقِيقَةِ، وَتَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْقَصْدِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ تَعَالَى نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ اللَّغْوِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَأَثْبَتَهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْإِثْمِ وَنَفَاهَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى عَنْ اللَّغْوِ وَأَثْبَتَهَا فِي الْمَعْقُودَةِ وَفَسَّرَهَا هَاهُنَا بِالْكَفَّارَةِ فَكَانَ بَيَانًا أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْمَعْقُودَةِ بِالْكَفَّارَةِ وَفِي الْغَمُوسِ بِالْإِثْمِ وَفِي اللَّغْوِ لَا مُؤَاخَذَةَ أَصْلًا فَلَزِمَ تَسْلِيمُ الْبَيَانِ وَالْعَمَلُ بِكُلِّ نَصٍّ عَلَى حِدَةٍ دُونَ صَرْفِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَتَقْيِيدِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ وَلَا فِي الْعُقْدَةِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ وَلَا يَثْبُتُ التَّعَارُضُ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَثْبَتَ التَّعَارُضَ بِأَنْ جَعَلَهَا دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ لِيُمْكِنَهُ إيرَادُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ سَقَطَ التَّعَارُضُ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ وَلَمَّا كَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ ثَابِتًا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ إلَّا أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ إلَى آخِرِهِ
١ -
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحَالُ) أَيْ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّخْفِيفِ تَقْتَضِي أَنْ يَحِلَّ الْقُرْبَانُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ سَوَاءٌ انْقَطَعَ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ عِبَارَةٌ عَنْ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ يُقَالُ طَهُرَتْ الْمَرْأَةُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ حَيْضِهَا وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحِلَّ الْقُرْبَانُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ سَوَاءٌ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ هُوَ الِاغْتِسَالُ.
وَالْقَوْلُ بِهِمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ حَتَّى لِلْغَايَةِ وَبَيْنَ امْتِدَادِ الشَّيْءِ إلَى غَايَةٍ وَبَيْنَ اقْتِصَارِهِ دُونَهَا تَنَافٍ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ أَيْ بِأَنْ تُحْمَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى حَالٍ فَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.