فَقَدْ أَوَّلْته إلَيْهِ وَصَارَ ذَلِكَ عَاقِبَةُ الِاحْتِمَالِ بِوَاسِطَةِ الرَّأْيِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: ٥٣] أَيْ عَاقِبَتَهُ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُجْمَلِ إذَا عَرَفْت بَعْضَ وُجُوهِهِ بِبَيَانِ الْمُجْمَلِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مُفَسَّرًا لِأَنَّهُ عُرِفَ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فَسُمِّيَ مُفَسَّرًا أَيْ مَكْشُوفًا كَشْفًا بِلَا شُبْهَةٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا أَضَاءَ إضَاءَةً لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَسَفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا إذَا كَشَفَتْ النِّقَابَ فَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مَقْلُوبًا مِنْ التَّفْسِيرِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالثُّبُوتِ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُثْبِتُ الْفَرْضِيَّةَ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَكَذَا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُجْمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْقَعْدَةِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ بَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ نَوْعَانِ: وَاجِبٌ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ كَالْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَتَّى مُنِعَ تَذَكُّرُهُ صِحَّةَ الْفَجْرِ كَتَذَكُّرِ الْعِشَاءِ، وَوَاجِبٌ دُونَ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ فَوْقَ السُّنَّةِ كَتَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى وَجَبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا وَلَكِنْ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ فَالْقَعْدَةُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ فَلِذَلِكَ سَمَّيْنَاهَا فَرْضًا فَأَمَّا أَنْ يَجِبَ اعْتِقَادُ فَرْضِيَّتِهَا بِحَيْثُ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا أَوْ يُضَلَّلُ فَلَا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَمَالِكًا لَمْ يَكْفُرَا بِإِنْكَارِهِمَا فَرْضِيَّتَهَا وَلَمْ يَكْفُرْ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِإِنْكَارِهِ رِبَا النَّقْدِ مَعَ لُحُوقِ الْبَيَانِ بِآيَةِ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ.
وَلَمْ يَكْفُرْ مَنْ أَنْكَرَ تَقْدِيرَ فَرْضِ الْمَسْحِ بِالرُّبْعِ مَعَ لُحُوقِ خَبَرِ الْمُغِيرَةِ بَيَانًا بِمُجْمَلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: ٦] حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِالتَّقْدِيرِ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَالشَّافِعِيُّ بِالْقَطْرِ وَمَالِكٌ بِالِاسْتِيعَابِ وَكَيْفَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ قَطْعًا بِمِثْلِ هَذَا الْبَيَانِ وَفِي ثُبُوتِهِ بَيَانًا شُبْهَةٌ، أَوَّلْتُهُ بِضَمِّ التَّاءِ إذَا رَجَعْتَهُ وَصَرَفْته بِفَتْحِ التَّاءَيْنِ، وَصَارَ ذَلِكَ عَاقِبَةَ الِاحْتِمَالِ أَيْ احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: ٥٣] ، أَيْ عَاقِبَةَ أَمْرِ الْكِتَابِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ تَبَيُّنِ صِدْقِهِ وَظُهُورِ صِحَّةِ مَا نَطَقَ بِهِ مِنْ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ.
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُجْمَلِ) أَيْ لَيْسَ الْمُؤَوَّلُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي قُلْنَا كَالْمُجْمَلِ الَّذِي عُرِفَ مَعْنَاهُ بِبَيَانِ الْمُجْمَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُفَسَّرٌ وَلَيْسَ بِمُؤَوَّلٍ وَكَذَا الظَّاهِرُ أَوْ النَّصُّ أَوْ الْمُشْكِلُ أَوْ غَيْرُهَا إذَا الْتَحَقَ بِهِ بَيَانٌ قَاطِعٌ فَهُوَ مُفَسَّرٌ لَا مُؤَوَّلٌ فَلَا يَكُونُ مَا ذُكِرَ مُخْتَصًّا بِالْمُجْمَلِ لَكِنَّ غَرَضَهُ إثْبَاتُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي حُرْمَةَ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ بِآكَدِ الْوُجُوهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا وَقَالُوا النَّهْيُ وَارِدٌ عَنْ التَّفْسِيرِ دُونَ التَّأْوِيلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْفَرْقِ فَقِيلَ التَّفْسِيرُ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ شَأْنِ مَنْ نُزِّلَ فِيهِ وَعَنْ سَبَبِ نُزُولِهِ وَذَلِكَ عِلْمُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا ذَلِكَ فَهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرُهُمْ بِالرَّأْيِ وَالتَّأْوِيلِ، وَهُوَ تَبْيِينُ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِنْ الْمَعَانِي وَلِهَذَا قِيلَ التَّفْسِيرُ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّأْوِيلُ لِلْفُقَهَاءِ، وَقِيلَ التَّفْسِيرُ بَيَانُ لَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالتَّأْوِيلُ تَوْجِيهُ لَفْظٍ يَتَوَجَّهُ إلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَا ظَهَرَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هُوَ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ هَذَا فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى الْمُرَادِ يَكُونُ تَفْسِيرًا صَحِيحًا مُسْتَحْسَنًا، وَإِنْ قَطَعَ عَلَى الْمُرَادِ لَا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا، فَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَهُوَ بَيَانُ عَاقِبَةِ الِاحْتِمَالِ بِالرَّأْيِ دُونَ الْقَطْعِ فَيُقَالُ يَتَوَجَّهُ اللَّفْظُ إلَى كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْجَهُ لِشَهَادَةِ الْأُصُولِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَهَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ قَوْلَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَوْلُهُ (مَأْخُوذٌ مِنْ كَذَا) مَدَارُ تَرْكِيبِ السَّفَرِ يَدُلُّ عَلَى الْكَشْفِ لِمَا ذُكِرَ، وَمِنْهُ يُقَالُ سَفَرْت الْبَيْتَ أَيْ كَنَسْته،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.