وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَالْعَصْرِ} [العصر: ١] {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: ٢] أَيْ هَذَا الْجِنْسُ وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: ٣٨] {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: ٢]
ــ
[كشف الأسرار]
لَكِنْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَدْنَى وَهُوَ الْوَاحِدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا قَالُوا هَذَا اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ بِحَقِيقَةِ الْأَدْنَى كَمَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَكُلُّ فَرْدٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كُلًّا كَمَا بَيَّنَّا فَلَمَّا سَاوَى الْبَعْضُ الْكُلَّ فِي الدُّخُولِ تَرَجَّحَ الْبَعْضُ بِالتَّيَقُّنِ وَانْصَرَفَ مُطْلَقُ اللَّفْظِ إلَيْهِ وَاحْتَمَلَ الْكُلَّ بِدَلِيلِهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ وَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَلَا أَشْتَرِي الْعَبِيدَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ تَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى وَلَا تَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِالنِّيَّةِ. قَالُوا وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَعَذُّرِ صَرْفِهَا إلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ إذْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ الطَّلَاق تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَقَدْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ إلَى الْكُلِّ وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِدُونِ النِّيَّةِ أَيْضًا فَعُلِمَ أَنَّ مُوجِبَهُ تَنَاوَلَ الْأَدْنَى عَلَى احْتِمَالِ الْأَعْلَى. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا وَعَامَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ إلَى أَنَّ مُوجِبَهُ الْعُمُومُ وَالِاسْتِغْرَاقُ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى إجْرَاءِ قَوْله تَعَالَى. {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨] . وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ. {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: ٢] . عَلَى الْعُمُومِ وَاسْتَدَلُّوا بِاسْتِغْرَاقِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَكَذَلِكَ اسْتَدَلُّوا بِالْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةِ بِاللَّامِ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالًا شَائِعًا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ.
وَكَذَا أُرِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى. {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق: ١٠] . {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ} [النحل: ٨] . {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: ٦٧] . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: ٢١] . {وَالْعَصْرِ} [العصر: ١] {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: ٢] . كُلُّ الْجِنْسِ لَا فَرْدٌ مَخْصُوصٌ. وَنَصَّ الزَّجَّاجُ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي قَوْله تَعَالَى. {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: ٢] . بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ النَّاسُ. وَكَذَا يُقَالُ الْفَرَسُ أَعْدَى مِنْ الْحِمَارِ وَالْأَسَدُ أَقْوَى مِنْ الذِّئْبِ وَيُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ إلَّا الْفَرْدَ. وَقَدْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَيْضًا فَإِنَّ بَعْضَهُمْ سَمَّاهَا لَامَ التَّجْنِيسِ وَبَعْضَهُمْ سَمَّاهَا لَامَ الِاسْتِغْرَاقِ حَتَّى قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ إنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى. {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: ٢] . لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَقَالُوا مَعْنَاهُ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى وَلَا يَنْصَرِفُ الْأَعْلَى إلَّا بِدَلِيلٍ مُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ. وَلِأَنَّ هَذِهِ اللَّامَ لِلتَّعْرِيفِ لُغَةً وَالتَّعْرِيفُ يُحَصِّلُ تَمْيِيزَ الْمُسَمَّى عَنْ أَغْيَارِهِ وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ تَمْيِيزَ الشَّخْصِ عَنْ سَائِرِ الْأَشْخَاصِ الْمُشَارِكَةِ لَهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ النَّوْعِ وَلَمْ يَحْصُلْ هَذَا التَّعْرِيفُ إلَّا بَعْدَ سَبْقِ عَهْدٍ بِهَذَا الشَّخْصِ ذِكْرًا أَوْ مُشَاهَدَةً.
وَتَارَةً يَكُونُ تَمْيِيزَ النَّوْعِ عَنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ الْمُسَاوِيَةِ لَهُ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ الْجِنْسِ كَمَا يُقَالُ مَا كَانَ مِنْ السِّبَاعِ غَيْرُ مَخُوفٍ فَهَذَا الْأَسَدُ مَخُوفًا فَإِنَّ اسْمَ الْأَسَدِ وَاقِعٌ عَلَى كَمَالِ نَوْعِهِ لَا عَلَى شَخْصٍ مِنْ أَشْخَاصِهِ لِانْعِدَامِ سَبْقِ الْعَهْدِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّعْرِيفِ أَبْلَغُ مِنْ التَّعْرِيفِ لِلشَّخْصِ لِبَقَاءِ الِاشْتِرَاكِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّوْعِ فِي التَّسْمِيَةِ فِي تَعْرِيفِ الشَّخْصِ وَانْقِطَاعِ ذَلِكَ فِي النَّوْعِ وَاخْتِصَاصِهِ بِالِاسْمِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ. وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ بِأَجْمَعِهِمْ أَوْ الْمُبْرِزُونَ مِنْهُمْ إنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ الْمُمْكِنِ صَرْفُهُ إلَى الْجِنْسِ وَالْمَعْهُودِ إلَى الْجِنْسِ أَوْلَى وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ السَّرَّاجِ مِنْ أَئِمَّةِ النَّحْوِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَامَةً لِمَا كَمُلَ تَعْرِيفُهُ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ عَلَامَةً لِمَا ضَعُفَ فِي بَابِهِ وَوَهِيَ فِي نَفْسِهِ. نُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ صَرْفُ اللَّامِ إلَى الْجِنْسِ لِيَحْصُلَ التَّعْرِيفُ وَلَنْ يَحْصُلَ التَّعْرِيفُ إلَّا بِالِاسْتِغْرَاقِ وَجَبَ الصَّرْفُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَتَعَرَّفُ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ جَاءَنِي حَصَلَ الْعِلْمُ لِلسَّامِعِ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا ذَكَرًا جَاوَزَ حَدَّ الصِّغَرِ وَكَذَا إذَا قِيلَ جَاءَنِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.