وقد أخبر الله تبارك وتعالى عن أولي العزم من الرسل بمجادلة الكفار فقال تعالى:{قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}[هود:٣٢]، وقال عن الخليل:{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ}[الأنعام:٨٠]، إلى قوله:{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}[الأنعام:٨٣].
وأمر الله تعالى محمداً -صلى الله عليه وسلم- بالمجادلة بالتي هي أحسن، وذم سبحانه من جادل بغير علم، أو في الحق بعدما تبين، ومن جادل بالباطل:{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[آل عمران:٦٦]. وقال تعالى:{يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ}[الأنفال:٦]، وقال تعالى:{وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}[غافر:٥] وهذا هو الجدال المذكور في قوله: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا}[غافر:٤]» (١).
وأما السنة: فقد دلت السنة بأنواعها القولية والفعلية والتقريرية على مشروعيتها، فمن السنة القولية قوله -صلى الله عليه وسلم-: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)(٢)، قال ابن حزم -رحمه الله-: «وهذا حديث في غاية الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله»(٣).
ومن السنة الفعلية مناظراته ومحاوراته الكثيرة مع المشركين، ومناظرته مع
(١) الجواب الصحيح (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠). (٢) رواه أحمد (١٢٢٤٦)، والنسائي (٣٠٩٦)، وأبو داود (٢٥٠٤)، والحاكم (٢٤٢٧)، وابن حبان (٤٧٠٨) وغيرهم، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-. قال ابن عبد الهادي في المحرر (٢/ ٤٣٩): إسناده على شرط مسلم. وقال النووي في رياض الصالحين (ص:٢٨): إسناده صحيح. وصححه الألباني في المشكاة برقم: ٣٨٢١. (٣) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٢٦)