ولقد يحدث أن يدفع القرآن تحليله إلى أبعد من ذلك فلا يكتفي بأن يعالج العناصر الأخلاقية منفصلة عن العناصر العقلية أو الروحية. فهو -في أوج تماسك هذه العناصر في أنفسنا، وفي قمة انعكاساتها المتبادلة- لا يتردد في أن يشرح صفاتنا، ومفاهيمنا، وعقائدنا، وطرائق عملنا، وأن يقيم بعضها ببعض.
ولذلك نرى بعض الفضائل العملية تستمد قيمتها جزئيًّا من أنها تعكس الإيمان، وتبرهن على صدقه:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} ... {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} ... إلخ١.
والإيمان، بدوره، يأخذ قدره من حيث هو صفة القلوب الخاشعة المتصدعة:{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} ٢. وهذه الحالة النفسية، وذاك الموقف الروحي يستمد قيمته من حيث إنه شيمة العلماء:{يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ٣.
وتستمد التعاليم القرآنية قيمتها بصفة عامة، من حيث إنها موجهة إلى من يملك من الناس عقلًا راجحًا -فهو قادر على أن يتعلم، ويتأمل، ويتعمق:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} ٤.