والندى والظلال تنعس في الما ... ء وهذا الشعاع خلف الغمام١
فالشاعر يجعل النسيم لصًّا ظريفًا، يسرق العطر من رياض سحيقة في الخيال، كما يجعل المغرب مصورا ذكيًا ترسم ألوانه لوحة الربا، ثم يجعل أشعة المساء محبة غزلا، وزهرة الفل حبيبته التي يوجه إليها هذا الغزل، وأخيرًا يجعل الأزهار تحلم في الليل، والندى والظلال تنعس في الماء، وكل هذا بسبب منح الشاعر الحياة الإنسانية لهذه المظاهر الطبيعية، واعتبارها -في تصوره- كالبشر في إحساسهم، وتفكيرهم، وأفعالهم.
بل إن خاصة التشخيص ومنح الحياة الإنسانية، لا تقتصر على المحسوسات، وإنما تتجاوزها إلى المجردات، ومن ذلك قول ناجي وقد عاد إلى بيت أحباب فوجده قد تغير:
صحت: يا ويحك تبدو في مكان ... كل شيء فيه حي لا يموت
كل شيء من سرور وحزن ... والليالي من بهيج وشجي
وأنا أسمع أقدام الزمن ... وخطى الوحدة فوق الدرج٢
فالبلى -وهو معنى تجريدي- لا يجسمه الشاعر فحسب، ولا يخلع عليه الحياة فقط، وإنما يمنحه حياة إنسانية ويشخصه، حتى ليراه ويداه تنسجان العنكبوت ... وكذلك الزمن والوحدة -وهما معنيان مجردان- يمنحهما الشاعر حياة البشر، حتى يكون للزمن وقد أقدام، وللوحدة صوت خطى، وهما يجوسان خلال بيت الأحباب المهجور.
والخاصة الرابعة من خواص هذا الاتجاه المتصلة بالأسلوب وطريقة الأداء، هي التجريد، وتحويل المحسوسات من المجال المادي الذي هو طبيعتها، إلى