الْمِثَالُ الثَّانِي: الْأَكْلُ مُتَّحِدٌ فِي ذَاتِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَإِنَّمَا قُبِّحَ لِأَسْبَابِهِ أَوْ لِثَمَرَاتِهِ، فَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ مُسَاوٍ فِي حَقِيقَتِهِ وَذَاتِهِ لِأَكْلِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَلَكِنَّهُ حُرِّمَ لِقُبْحِ أَسْبَابِهِ وَثَمَرَاتِهِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: الْوَطْءُ مُتَّحِدٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَذَاتِهِ لَكِنَّهُ يَحْرُمُ تَارَةً لِقُبْحِ ثَمَرَاتِهِ وَيَحِلُّ تَارَةً لِحُسْنِ ثَمَرَاتِهِ، وَقَدْ يَجْمَعُ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ مَفَاسِدَ كَثِيرَةً فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا وَزَوَاجِرُهَا، وَكَفَّارَاتُهَا. مِثَالُهُ، إذَا زِنَا بِأُمِّهِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَهُمَا صَائِمَانِ فِي رَمَضَانَ، فَقَدْ أَتَى بِكَبَائِرَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُهَا لَوْ تَفَرَّقَتْ. فَإِنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْكَعْبَةِ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ مُوجِبَةٍ لِلتَّحْرِيمِ وَلِلتَّفْسِيقِ وَالتَّعْزِيرِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى إيقَاعِ الزِّنَا بِأُمِّهِ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ وَهِيَ أَنَّ عُقُوقَ الْأُمِّ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّعْزِيرِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ مُفْسِدًا لِلْعُمْرَةِ مُرْتَكِبًا لِكَبِيرَةٍ مُفَسِّقَةٍ مُوجِبَةٍ لِكَفَّارَةٍ مُرَتَّبَةٍ، وَبِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ زَانِيًا مُرْتَكِبًا لِكَبِيرَةٍ مُفَسِّقَةٍ مُوجِبَةٍ لِلرَّجْمِ إنْ كَانَ مُحْصَنًا، وَالْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ إنْ كَانَ بِكْرًا.
وَكَذَلِكَ قَدْ يَجْمَعُ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ مَصَالِحَ شَتَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَ الْإِمَامُ بِظُهُورِ الزِّنَا وَالرِّبَا وَاسْتِلَابِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الرِّجَالِ وَتَعْطِيلِ الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَاةِ وَانْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ فَيَأْمُرُ بِتَغْيِيرِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُثَابُ عَلَى تَسَبُّبِهِ إلَى تَغَيُّرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ بِكَلِمَةٍ كَمَا يُثَابُ عَلَيْهَا إذَا تَسَبَّبَ إلَى إزَالَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهَا.
وَأَسْبَابُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا قَائِمٌ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ، وَالثَّانِي خَارِجٌ عَنْ الْمَحَلِّ، فَأَمَّا الْقَائِمُ بِالْمَحَلِّ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ فَهُوَ كُلُّ صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِالْمَحَلِّ مُوجِبَةٍ لِلتَّحْرِيمِ كَصِفَةِ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، لِمَا قَامَ بِشُرْبِهَا مِنْ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعُقُولِ، وَكَالْمَيْتَةِ حُرِّمَتْ لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ الِاسْتِقْذَارِ، وَكَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ يَحْرُمُ لِصِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ، وَكَالسُّمُومِ الْقَاتِلَةِ حُرِّمَتْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.