وَلَا إطْرَابٌ يَحُثَّانِ عَلَى تَعَاطِيهِ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ فَإِنَّ مَا فِيهِمَا مِنْ التَّفْرِيحِ وَالْإِطْرَابِ حَاثٌّ عَلَى شُرْبِهِمَا فَغَلَبَتْ لِذَلِكَ مَفْسَدَتُهُمَا فَوَجَبَ الْحَدُّ لِغَلَبَةِ الْمَفْسَدَةِ، وَلَمْ تَجِبْ فِي الْبَنْجِ وَنَحْوِهِ لِنُدْرَةِ الْإِفْسَادِ بِهِ.
وَأَمَّا حَدُّ قَطْعِ الطَّرِيقِ فَزَاجِرٌ عَنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ بِالْقَطْعِ وَعَنْ الْجِنَايَةِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ بِالْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا تَحَتَّمَ كَمَا تَحَتَّمَ حَدُّ الزِّنَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ ضَمُّوا إلَى جِنَايَاتِهِمْ إخَافَةَ السَّبِيلِ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَازٍ بِهَا، بِخِلَافِ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا أَوْ سَرَقَ مَالَهُ فِي خُفْيَةٍ.
وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَزَاجِرٌ عَنْ هَتْكِ الْأَعْرَاضِ بِالتَّعْبِيرِ بِالزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذْ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَعَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ لِلْآدَمِيِّ لِدَرْءِ تَغَيُّرِهِ بِالْقَذْفِ، وَقَدْ غَلَّبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ يُسْقِطْهُ بِإِسْقَاطِ الْمَقْذُوفِ، وَغَلَّبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ حَقَّ الْآدَمِيِّ فَأَسْقَطَهُ بِإِسْقَاطِهِ كَالْقِصَاصِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِرَجْمِ الثَّيِّبِ الزَّانِي وَقَدْ قِيلَ فِيهَا مَا لَا أَرْتَضِيهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَفْسَدَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِجَعْلِ الرِّبَا مِنْ الْكَبَائِرِ لَمْ أَقِفْ فِيهَا عَلَى مَا يُعْتَمَدُ عَلَى مِثْلِهِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ مَطْعُومًا أَوْ قِيمَةً لِلْأَشْيَاءِ أَوْ مُقَدَّرًا لَا يَقْتَضِي مَفْسَدَةً عَظِيمَةً تَكُونُ مِنْ الْكَبَائِرِ لِأَجْلِهَا، وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لِشَرَفِهِ حَرُمَ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسَاءِ، فَإِنَّ مَنْ بَاعَ أَلْفَ دِينَارٍ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ صَحَّ بَيْعُهُ، وَمَنْ بَاعَ كُرَّ شَعِيرٍ بِأَلْفِ كُرِّ حِنْطَةٍ، أَوْ بَاعَ مَدَّ شَعِيرٍ بِأَلْفِ مَدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ بَاعَ مَدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهِ، أَوْ دِينَارًا بِمِثْلِهِ، أَوْ دِرْهَمًا بِمِثْلِهِ وَأَجَّلَ ذَلِكَ لَحْظَةً فَإِنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلُوحُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ مَعْنًى يُصَارُ إلَيْهِ وَلَا يُعْتَمَدُ.
وَأَمَّا التَّعْزِيرَاتُ فَزَوَاجِرُ عَنْ ذُنُوبٍ لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا حُدُودٌ وَلَا كَفَّارَاتٌ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ بِتَفَاوُتِ الذُّنُوبِ فِي الْقُبْحِ وَالْإِيذَاءِ، وَقَدْ قَدَّرَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِعَشَرَةِ سِيَاطٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.