بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وبعد:
فيبدو أن القائلين بالقيمة قد هضم حقهم إلى حد كبير سواء في بيان وجهة نظرهم بالأمس أو في إبداء حججهم وإعطاء الفرص الكاملة. فضيلة الشيخ تقي الدين حفظه الله بالأمس نسب إلى القول بالقيمة مطلقًا، وأنا لم أقل بالقيمة مطلقًا في بحثي ولا أظن الزملاء قالوا بذلك كلهم. كما أن بعض الإخوة خرج عن الموضوع وخرج عن محل النزاع، وادعى بأننا لو أخذنا بالقول بالقيمة نبطل فتاوانا السابقة، وبين الموضوعين فارق كبير جدًا. الآراء التي لخصها فضيلة الشيخ تقي الدين واعتبر رأي القائلين بالمثل رأيًا واحدًا، وبقية الآراء عدها خمسة، وهي في الحقيقة لا تخرج عن رأيين قول بالقيمة، وقول بالمثل. لكن هناك تفصيل في كلا الرأيين. كما أن فضيلة الشيخ تقي الدين ذكر أن القائلين بالقيمة من الأبحاث هما أنا والدكتور عبد اللطيف الفرفور بينما يبدو لي أن هناك ستة أبحاث يقول أصحابها بالقيمة، أذكر منهم الدكتور نزيه والدكتور ابن بيه على ما أظن، وكذلك الدكتور القرضاوي والدكتور على القره داغي والشيخ محمد الأشقر أيضًا ربما غيرهم. كما أن العرض اقتصر على وجهة نظر واحدة، هذا من حيث إطار الموضوع.
أما الموضوع فكثير من الزملاء الذين تكملوا فيه صوروا موضوع القول بالقيمة كأنه قول شاذ، وأنه لا قائل به وأنه أمر مستحدث. والحقيقة أن القول بالقيمة جملة في هذا الموضوع كل المذاهب قالت به، في حالة الكساد قال به الحنابلة والمالكية في مقابل المشهور وأبو يوسف ومحمد. وفي حال الانقطاع قال به جمهور الفقهاء والمالكية والشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف، والفتوى عليه عند الحنفية. وليس معنى هذا أن هناك تطابقًا بين القول بحالتي الكساد والانقطاع وحالة الرخص والغلاء وبينما فارق كبير، لكن قصدي أن أقول إنه قدرك مشترك بالتقدير برد القيمة. جمهور الفقهاء في حالة الرخص والغلاء كما علمنا يقولون إنه يرد ذات النقد الثابت في الذمة،ورأي آخر وهو كما أشار الشيخ تقي الدين وغيره هو رأي الإمام أبي يوسف. البعض حاول أن يشكك في قول أبي يوسف هذا القول ليس قولًا مغمورًا، هو القول المفتى به عند الحنفية. وهذه الواقعة لم تكن في حالات العملة البسيطة كما ذكر البعض بالفلوس، وإنما كان حالات كوارث اقتصادية نزلت بالعالم الإسلامي تكررت حوالي سبع مرات في القرون من القرن الخامس حتى القرن الحادي عشر. فيمكن القول بالقيمة قولًا مغمورًا، أو قولًا ضعيفًا عند الحنفية خاصة بل هو القول المفتى به. وهذا ثابت بنصوصهم ولا نذكرها. ثم إننا حينما نأخذ بقول أبي يوسف ونعمل به قيدناه بقيود. القيد الأول وهو ما ذكره الرهوني بأن يكثر الغلاء جدا ويكون الغلاء فاحشًا. وتعليله بهذا تعليل معقول، لأن التغير الفاحش يدخل على الدافع، سواء كان في القرض أو في بيع الأجل الظلم. ولذلك يقول الرهوني: إن البائع إنما بذل سلعته في مقابلة منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينفع به.