إن الاجتهادات المبنية على المصلحة تدور معها وجودًا وعدمًا، وقد عقد ابن القيم لها فصلًا في كتابه القيم: إعلام الموقعين، وسرد لذلك أمثلة كثيرة.
المبدأ الثالث:
رعاية المقاصد والمبادئ الأساسية والقواعد الكلية التي انبثقت من الشريعة الغراء مقدمة على رعاية الجزئيات والفروع، ولاسيما إذا كانت اجتهادية، فمن هذه المبادئ: مبدأ العدل وعدم الظلم، الذي جاء لأجله الإسلام، قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: ٢٥] ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"والأصل في العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب.. والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم "(١) ، والإسلام هو العدل المطلق في كل الاعتبارات والأحوال، {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة: ٨] ، ولذلك أمر بتحقيق العدالة حتى مع المرابين:{لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}[البقرة: ٢٧٩] فكيف لا يطبق هذا المبدأ على الدائنين؟
ومن هذه المبادئ والقواعد العامة قاعدة:((لا ضرر ولا ضرار)) (٢) التي هي حديث نبوي شريف تلقته الأمة بالقبول، وأصبح من الكليات التي عليها مدار الفقه الإسلامي.
(١) مجموع الفتاوى: ٢٠ / ٥١٠. (٢) رواه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، ص ٦٤؛ وأحمد في مسنده: ٥ / ٣٢٧؛ والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه المطبوع مع المستدرك ٢ / ٥٧.