فإذا كان المبتدع يرى في بدعته الخير والعمل الصالح، ويعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة، ولكنها حسنة في نفسها - حسب زعمه - فإن هذا يعني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم حاشاه وكلا - بين أمرين:
إما أن يكون جاهلا بما ينفع الأمة، وأن هناك جملة من جوانب الخير لا يعلمها، فجاء معاصرو القرون المتأخرة فأخروجها للأمة وأضافوها إلى الدين، أو أن يكون - صلى الله عليه وسلم - يعلم حسن هذه الأعمال المبتدعة، إلا أنه كتمها عن الأمة، وهذا يعني تخونه والقدح في أدائه رسالة ربه، وكلا الأمرين شر وقدح في شهادة أن محمدا رسوله، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبرأ عنهما معا.
ثالثا: إن في الابتداع مخالفة صريحة لأوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أكد ضرورة التمسك بسنته، والابتعاد عن الابتداع والإحداث في الدين، كما أكد أن الإحداث في الدين مردود، ولا شك أن مخالفته - صلى الله عليه وسلم - مظنة الفتنة. قال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(١) النور / ٦٣.
ولقد فهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعوهم هذا الفهم، ففي الجامع لأبي بكر الخلال أن رجلا جاء إلى مالك بن أنس فقال: من أين أحرم؟ قال: من الميقات الذي وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحرم منه. فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك. فقال الرجل: ما تكره من ذلك؟ قال: أكره عليك الفتنة. قال: وأي فتنة من ازدياد الخير؟ فقال مالك: فإن الله تعالى يقول:
وأي فتنة أكبر من أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية: وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله، واختيار رسوله!