قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْأُصُولِ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاءِ وَالْقَافِ، وَبَعْدَهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِ سَاكِنَةٌ أَيْ: وُجِدَتْ قَبْلَ حُضُورِنَا، وَأَمَّا بَقَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي صَلَاتِهِ هَذِهِ، وَتَأَخُّرُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي صَلَاتِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ; لِيَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَضِيَّةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ قَدْ رَكَعَ رَكْعَةً، فَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّقَدُّمَ لِئَلَّا يَخْتَلَّ تَرْتِيبُ صَلَاةِ الْقَوْمِ، بِخِلَافِ قَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ، نَعَمْ وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ مَعَ الْإِشَارَةِ لَهُ بِعَدَمِ التَّأَخُّرِ تَأَخَّرَ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَخَّرْ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَذَكَّرَ أَنَّ تَأَخُّرَهُ يَضُرُّ بِالْقَوْمِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَأَبَا بَكْرٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَأَخُّرِهِ فَتَأَخَّرَ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ - وَهُوَ الْأَحْسَنُ -: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَهِمَ أَنَّ سُلُوكَ الْأَدَبِ أَوْلَى مِنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّهُ فَهِمَ أَنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَمْرٍ عُلِمَ بِالْقَرَائِنِ أَنَّهُ لِرِعَايَةِ حَالِ الْمَأْمُورِ دُونَ الْآمِرِ، فَفِي الِامْتِثَالِ إِيهَامُ إِخْلَالٍ بِكَمَالِ الْأَدَبِ مَعَ الْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الِامْتِثَالِ أَدَبٌ أَيُّ أَدَبٍ، وَفِي إِيثَارِ الْأَدَبِ إِظْهَارُ رِعَايَةِ حَالِ الْأَمْرِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ حَالِ الْمَأْمُورِ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَكَانَ هَذَا أَوْلَى وَأَكْمَلَ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ مِنَ الْفَرَحِ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عَنِ التَّأَخُّرِ، وَلِلْمُبَالَغَةِ فِي امْتِنَاعِهِ عَنِ التَّقَدُّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا: " أَحْسَنْتُمْ، صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا» " يَعْنِي لَا تُؤَخِّرُوهَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِانْتِظَارِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُ انْتِظَارِهِ إِذَا مَضَى زَمَانٌ كَثِيرٌ إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَتَى يَجِيءُ، أَمَّا إِذَا عَلِمُوا فَيُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْإِمَامِ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ يُسْتَحَبُّ إِعْلَامُهُ وَقْتَ الصَّلَاةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَصْلَ الْحَدِيثِ فِي اللِّبَاسِ وَفِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَسْحَ عَلَى النَّاصِيَةِ فِي كِتَابِهِ، وَلَا ذَكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلَا ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ صَلَاةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِالنَّاسِ، وَلَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.