بِتَرَادُفِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ، بِخِلَافِ النَّبِيِّ فَلَا يَلْزَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ عَدَمُ التَّسَتُّرِ، مَعَ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَيْضًا لَا تُنَافِي السِّتَارَةَ، كَمَا لَا يَخْفَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ) أَيْ: عَلَى جِنْسِهِنَّ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا جَمِيعِهِنَّ، أَوْ عَلَى النِّسَاءِ الْمَذْكُورَاتِ، أَوْ عَلَى نِسَاءِ الْجَنَّةِ، أَوْ عَلَى نِسَاءِ زَمَانِهَا، أَوْ عَلَى نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَوْ عَلَى الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ (كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَعْطِفْ عَائِشَةَ عَلَى آسِيَةَ، لَكِنْ أُبْرِزَتْ فِي صُورَةٍ جَمِيلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِمَا امْتَازَتْ بِهِ عَنْ سَائِرِهِنَّ، نَحْوَهُ فِي الْأُسْلُوبِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مَنَ الدُّنْيَا ثَلَاثٌ: الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ". قُلْتُ: وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ ثَلَاثٍ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قِيلَ: إِنَّمَا مَثَّلَ بِالثَّرِيدِ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ طَعَامِ الْعَرَبِ. وَلَا يَرَوْنَ فِي الشِّبَعِ أَغْنَى غَنَاءٍ عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمَدُونَ الثَّرِيدَ فِيمَا طُبِخَ بِلَحْمٍ، وَرُوِيَ: سَيِّدُ الطَّعَامِ اللَّحْمُ، فَكَأَنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ اللَّحْمِ عَلَى سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ، وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الثَّرِيدَ مَعَ اللَّحْمِ جَامِعٌ بَيْنَ الْغِذَاءِ وَاللَّذَّةِ وَالْقُوَّةِ، وَسُهُولَةِ التَّنَاوُلِ، وَقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ فِي الْمَضْغِ، وَسُرْعَةِ الْمُرُورِ فِي الْمِرِّيءِ، فَضُرِبَ بِهِ مَثَلًا لِيُؤْذِنَ بِأَنَّهَا أُعْطَتْ مَعَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالْخَلْقِ، وَحَلَاوَةِ النُّطْقِ فَصَاحَةَ اللَّهْجَةِ وَجَوْدَةَ الْقَرِيحَةِ، وَرَزَانَةَ الرَّأْيِ، وَرَصَانَةَ الْعَقْلِ، وَالتَّحَبُّبَ إِلَى الْبَعْلِ، فَهِيَ تَصْلُحُ لِلتَّبَعُّلِ وَالتَّحَدُّثِ وَالِاسْتِئْنَاسِ بِهَا، وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهَا، وَحَسْبُكَ أَنَّهَا عَقِلَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ تَعْقِلْ غَيْرُهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَرَوَتْ مَا لَمْ يَرْوِ مِثْلُهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّرِيدَ أَشْهَى الْأَطْعِمَةِ عِنْدَهُمْ وَأَلَذُّهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ ... فَذَاكَ ـ أَمَانَةَ اللَّهِ ـ الثَّرِيدُ
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ عَائِشَةَ وَخَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ. قَالَ الْأَكْمَلُ: رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَائِشَةَ بَعْدَ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. أَقُولُ: فَهَذَا يَحْتَمِلُ تَسَاوِي خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ، لِكَوْنِ الْأُولَى مِنَ الْعُرَفَاءِ السَّوَابِقِ، وَالثَّانِيَةِ مِنَ الْفُضَلَاءِ اللَّوَاحِقِ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَاطِمَةُ أَفْضَلُ مِنْ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ عَائِشَةُ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي النُّقَايَةِ وَشَرْحِهَا: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ أَفْضَلَ النِّسَاءِ مَرْيَمُ وَفَاطِمَةُ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وَفِي الصَّحِيحِ: «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " «هَذَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ لِيُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي أَنَّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأُمَّهُمَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . وَرَوَى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ: مَرْيَمُ خَيْرُ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَفَاطِمَةُ خَيْرُ نِسَاءِ عَالَمِهَا. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وَخَيْرُ نِسَائِهَا فَاطِمَةُ. قُلْتُ: وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، ثُمَّ فَاطِمَةُ، ثُمَّ خَدِيجَةُ، ثُمَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ بَعْدَ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ» ". ثُمَّ قَالَ السُّيُوطِيُّ: " وَأَفْضَلُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ ". قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ وَآسِيَةُ وَخَدِيجَةُ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» ". وَفِي لَفْظٍ: " إِلَّا ثَلَاثٌ: مَرْيَمُ وَآسِيَةُ وَخَدِيجَةُ ". وَفِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا أَقْوَالٌ. ثَالِثُهَا: الْوَقْفُ. قَالَتْ: وَصَحَّحَ الْعِمَادُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ قَالَتْ: قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، فَقَالَ: " «لَا وَاللَّهِ مَا رَزَقَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَأَعْطَتْنِي مَالَهَا حِينَ حَرَمَنِي النَّاسُ» ". وَسُئِلَ ابْنُ دَاوُدَ فَقَالَ: عَائِشَةُ أَقْرَأَهَا السَّلَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِبْرِيلَ، وَخَدِيجَةُ أَقْرَأَهَا السَّلَامَ جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهَا، فَهِيَ أَفْضَلُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهُ: فَأَيٌّ أَفْضَلُ فَاطِمَةُ أَمْ أُمُّهَا؟
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.