أَيْ مِنْ أَتْبَاعِي وَأَشْيَاعِي، وَتَمَامُهُ: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: ٣٦] أَيْ: تَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ تَشَاءُ وَتَرْحَمُهُ بِالتَّفَضُّلِ عَلَى مَنْ تَشَاءُ، أَوْ تَغْفِرُ لِلْعَاصِي الْمُشْرِكِ بِأَنْ تَوَفِّقَهُ لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فِي الدُّنْيَا، وَتَرْحَمَ عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ الْمَثُوبَةِ فِي الْعُقْبَى. (وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: قَالَ قَوْلًا وَقِيلًا، وَقَدْ أَضَافَ إِلَى عِيسَى عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ تَلَا، أَيْ: تَلَا قَوْلَ اللَّهِ وَقَوْلَ عِيسَى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: ١١٨] ، وَآخِرُهُ: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] أَيْ: لَا يَغْلِبَنَّكَ شَيْءٌ ; فَإِنَّكَ الْقَوِيُّ الْقَادِرُ وَتَحْكُمُ بِمَا تَشَاءُ، فَأَنْتَ الْحَاكِمُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، أَوِ الْحَكِيمُ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَوْضِعِهَا، وَيُتْقِنُ الْأَفْعَالَ وَيُحْسِنُهَا، (فَرَفَعَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَدَيْهِ) أَيْ: كَرِيمَتَيْهِ (فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) أَيِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ ارْحَمْ أُمَّتِي، وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ التَّكْرَارِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّأْكِيدُ، أَوْ قُصِدَ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ (وَبَكَى) ; لِأَنَّهُ تَذَكَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّفَاعَةَ الصَّادِرَةَ عَنِ الْخَلِيلِ وَرُوحِ اللَّهِ فَرَقَّ لِأُمَّتِهِ (فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ) : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ حَالِيَّةٌ دَفْعًا لِمَا يُوهِمُهُ قَوْلُهُ: (فَاسْأَلْهُ) : بِالْهَمْزِ وَالنَّقْلِ (مَا يُبْكِيهِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ) أَيْ: بِشَيْءٍ قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سَبَبِ الْبُكَاءِ، وَهُوَ الْخَوْفُ لِأَجْلِ أُمَّتِهِ (فَقَالَ لَهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا) أَيْ: بِعَظَمَتِنَا (سَنُرْضِيكَ) أَيْ: سَنَجْعَلُكَ رَاضِيًا (فِي أُمَّتِكَ) أَيْ: فِي حَقِّهِمْ (وَلَا نَسُوءُكَ) أَيْ: وَلَا نُحْزِنُكَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، بَلْ نُنْجِيهِمْ، وَلِأَجْلِ رِضَاكَ نُرْضِيهِمْ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى تَأْكِيدٌ ; إِذْ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ سَنُرْضِيكَ نُرْضِيكَ فِي حَقِّ الْبَعْضِ ; وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا يَرْضَى مُحَمَّدٌ وَأَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ فِي النَّارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: لَعَلَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَتَى بِذِكْرِ الشَّفَاعَةِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنِ النَّبِيِّينَ عَنِ الْخَلِيلِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ وَالصِّيغَةِ الشَّرْطِيَّةِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَصْنَامَ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَابَ مِنْ عِبَادَتِهَا وَتَبِعَنِي فِي التَّوْحِيدِ، فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي فَأَقْبَلُ شَفَاعَتِي فِيهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ تَابَ لِأَنَّهُ مُصَحِّحُ الشَّفَاعَةِ فِي حَقِّ الْمُشْرِكِينَ. قُلْتُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ تَقْدِيرُ تَابَ فِي الشَّرْطِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَمَنْ عَصَانِي. قَالَ: وَعَنْ رُوحِ اللَّهِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي (تَغْفِرْ لَهُمْ) رَاجِعٌ إِلَى مَنِ اتَّخَذَهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ بَعْدَمَا تَابُوا عَنْ ذَلِكَ ; فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْتُ: لَا يُلَائِمُهُ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: ١١٨] ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَصْدُرُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ التَّوْبَةِ هُنَاكَ، ثُمَّ الْجَزَاءُ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] فِي كَلَامِ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: ٣٦] جَزَاءٌ لِلشَّرْطِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: ٣٦] ، ثُمَّ قَالَ وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي ; لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّفَاعَتَيْنِ ; وَيُبَيِّنَ مَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْبُرْهَانِ وَالتِّبْيَانِ، فَإِنَّ الْعَرْضَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالدُّعَاءِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْفَنَاءِ وَالْبَقَاءِ، وَكَذَلِكَ طَرِيقُ التَّفْوِيضِ وَالتَّسْلِيمِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَلَا يَظْهَرُ بَيَانٌ لِلْمُدَّعِي وَلَا تِبْيَانٌ لِلْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: أُمَّتِي أُمَّتِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ شَفِّعْنِي فِي أُمَّتِي وَأَرْضِنِي فِيهَا، أَوْ أُمَّتِي ارْحَمْهُمْ وَأَرْضِنِي بِالشَّفَاعَةِ فِيهِمْ، وَالْحَذْفُ لِضِيقِ الْمَقَامِ وَشِدَّةِ الِاهْتِمَامِ. قُلْتُ: يَحْتَاجُ أَيْضًا هَذَا الْكَلَامُ إِلَى تَوْضِيحِ الْمَرَامِ. قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْجَزْمِ وَالْقَطْعِ. قُلْتُ: الدُّعَاءُ لَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ ; إِذْ لَا حُكْمَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَمَآلُ الطَّرِيقَيْنِ فِي الدُّعَاءِ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْمَقْصِدِ جَاحِدٌ. قَالَ: وَالتَّكْرِيرُ لِمَزِيدِ التَّقْرِيرِ. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ وُجُوهٌ أُخَرُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الدُّعَاءِ ; فَإِنَّ الْإِلْحَاحَ مِنَ الْعَبْدِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يُنَافِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ. قَالَ: وَمِنْ ثَمَّ أُجِيبَ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.