الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٠١١ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيَّ، قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» .
ــ
٥٠١١ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ) أَيْ: ثَبَتَتْ أَوْ تَقَدَّمَتْ (مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ) ، بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: لِأَجْلِيَ (وَالْمُتَجَالِسِينَ فِي) أَيْ: فِي حُبِّيَ أَوْ سَبِيلِي (وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ) : بِأَنْ يَزُورَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ; لِعِيَادَةٍ وَنَحْوِهَا (وَالْمُتَبَاذِلِينَ) أَيْ: بِأَنْ يَبْذُلَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِهِمُ الْمَالَ (فِي) . أَيْ: فِي رِضَائِي. (رَوَاهُ مَالِكٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذٍ. (فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ) ، بِالْإِضَافَةِ (قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي) أَيْ: لِأَجْلِ إِجْلَالِي وَتَعْظِيمِي أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ كَمَا سَبَقَ ( «لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» ) . بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْغِبْطَةِ بِالْكَسْرِ وَهِيَ تَمَنِّي نِعْمَةً عَلَى أَنْ لَا تَتَحَوَّلَ عَنْ صَاحِبِهَا بِخِلَافِ الْحَسَدِ، فَإِنَّهُ تَمَنَّى زَوَالَهَا عَنْ صَاحِبِهَا، فَالْغِبْطَةُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ حُسْنِ الْحَالِ كَذَا قِيلَ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْغِبْطَةُ حُسْنُ الْحَالِ وَالْمَسَرَّةُ، فَمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ مُطَابِقٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ يَسْتَحْسِنُ أَحْوَالَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي تَحَيَّرَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَلَى كَرَاسِيٍّ مِنْ يَاقُوتٍ حَوْلَ الْعَرْشِ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: كُلُّ مَا يَتَحَلَّى بِهِ الْإِنْسَانُ أَوْ يَتَعَاطَاهُ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ صَاحِبُهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ مَا هُوَ أَرْفَعُ قَدْرًا وَأَعَزُّ ذُخْرًا، فَيَغْبِطُهُ بِأَنْ يَتَمَنَّى، وَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مَضْمُومًا إِلَى مَا لَهُ مِنَ الْمَرَاتِبِ الرَّفِيعَةِ وَالْمَنَازِلِ الشَّرِيفَةِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدِ اسْتَغْرَقُوا فِيمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَةِ الْخَلْقِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءِ الدِّينِ وَإِرْشَادِ الْعَامَّةِ، وَالْخَاصَّةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّيَّاتٍ أَشَغَلَتْهُمْ عَنِ الْعُكُوفِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا، وَالشُّهَدَاءُ وَإِنْ نَالُوا رُتْبَةَ الشُّهَدَاءِ وَفَازُوا بِالْفَوْزِ الْأَكْبَرِ، فَعَلَّهُمْ لَمْ يُعَامَلُوا مَعَ اللَّهِ مُعَامَلَةَ هَؤُلَاءِ، فَإِذَا رَأَوْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَشَاهَدُوا قُرْبَهُمْ وَكَرَامَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَدُّوا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ فِي ذَلِكَ إِلَى إِثْبَاتِ الْغِبْطَةِ لَهُمْ عَلَى حَالِ هَؤُلَاءِ، بَلْ بَيَانِ فَضْلِهِمْ، وَعُلُوِّ شَأْنِهِمْ، وَارْتِفَاعِ مَكَانِهِمْ وَتَقْرِيرِهَا عَلَى آكَدِ وَجْهٍ وَأَبْلَغِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَالَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَثَابَةِ لَوْ غَبَطَ النَّبِيُّونُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَئِذٍ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِمْ وَنَبَاهَةِ أَمْرِهِمْ حَالَ غَيْرِهِمْ لِغُبُوطِهِمْ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.