قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: ٢٨] (قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) : أَيْ: بِذِكْرِهِمْ ; فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. (قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ) : كِنَايَةً عَنِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ (لَيْسَ مِنْهُمْ) : أَيْ: مِنَ الذَّاكِرِينَ حَالٌ مِنَ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ، وَقِيلَ: مِنْ فُلَانٍ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ (إِنَّمَا جَاءَ) : أَيْ: إِلَيْهِمْ (لِحَاجَةٍ) : أَيْ: دُنْيَوِيَّةٍ لَهُ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ يُرِيدُ الْمَلَكُ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَغْفِرَةَ، (قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ) : أَيِ: الْكَامِلُونَ (لَا يَشْقَى) : بِفَتْحِ الْيَاءِ (جَلِيسُهُمْ) : أَيْ: مُجَالِسُهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: هُمْ جُلَسَاءُ لَا يَخِيبُ جَلِيسُهُمْ عَنْ كَرَامَتِهِمْ فَيَشْقَى انْتَهَى. وَفِي الْحَدِيثِ تَرْغِيبٌ فِي مُخَالَطَةِ أَهْلِ الذِّكْرِ. قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: ١١٩] وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اصْحَبُوا مَعَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَقْدِرُوا فَاصْحَبُوا مَعَ مَنْ يَصْحَبُ مَعَ اللَّهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
(وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً) : أَيْ: كَثِيرَةَ السَّيْرِ، وَمِنْهُ أُخِذَ سِيَاحَةُ الصُّوفِيَّةِ (فُضْلًا) : صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِلْمَلَائِكَةِ وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي تَخْفِيفًا؟ جَمْعُ فَاضِلٍ كَبُزْلٍ وَبَازِلٍ وَنُشْرٍ وَنَاشِرٍ، وَهُوَ مَنْ فَاقَ أَصْحَابَهُ وَأَقْرَانَهُ عِلْمًا وَشَرَفًا. وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَفِي نُسْخَةٍ " فُضَلَاءَ " عَلَى وَزْنِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: رِوَايَتُنَا فِي الْمِشْكَاةِ " فُضْلًا " بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ مَمْدُودًا. وَفِي الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ بِالنَّصْبِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: فُضْلًا ضَبَطْنَاهُ عَلَى أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: وَهُوَ أَرْجَحُهَا وَأَشْهَرُهَا فِي بِلَادِنَا فُضُلًا بِضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ، وَالِثَانِي: بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَادْعَى أَنَّهُ أَكْثَرُ وَأَصْوَبُ، وَالثَّالِثُ: بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ. قَالَ الْقَاضِي: هَكَذَا الرِّوَايَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ مَشَايِخِنَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَالرَّابِعُ: بِضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ، وَرَفْعِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْخَامِسُ: فُضَلَاءُ بِالْمَدِّ جَمْعُ فَاضِلٍ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ عَلَى جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ زَائِدُونَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَغَيْرِهِمْ، لَا وَظِيفَةَ لَهُمْ إِلَّا حِلَقُ الذِّكْرِ اهـ.
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيَّ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ فُضْلًا عَنْ كِتَابِ النَّاسِ (يَبْتَغُونَ) : أَيْ: يَطْلُبُونَ (مَجَالِسَ الذِّكْرِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: يَتَّبِعُونَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَفَتْحِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ يَتَتَبَّعُونَ مِنَ التَّفَعُّلِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ضَبَطُوهُ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ التَّتَبُّعِ، وَهُوَ الْبَحْثُ عَنِ الشَّيْءِ وَالتَّفْتِيشُ، وَالثَّانِي: يَبْتَغُونَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الِابْتِغَاءِ وَهُوَ الطَّلَبُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَبْتَغُونَ مِنَ الِابْتِغَاءِ، وَيُرْوَى يَتَتَبَّعُونَ مِنَ التَّتَبُّعِ. (فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ) : أَيْ: غَالِبًا (قَعَدُوا مَعَهُمْ) : أَيِ: الذَّاكِرِينَ (وَحَفَّ بَعْضُهُمْ) : أَيْ: بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ (بَعْضًا) : أَيْ: بَعْضًا آخَرَ مِنْهُمْ (بِأَجْنِحَتِهِمْ) : أَيْ: بِاسْتِعَانَتِهَا (حَتَّى يَمْلَئُوا) أَيِ: الْمَلَائِكَةُ (مَا بَيْنَهُمْ) : أَيْ: بَيْنَ الذَّاكِرِينَ (وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا) : أَيْ: أَهْلُ الذِّكْرِ (عَرَجُوا) : أَيِ: الْمَلَائِكَةُ (وَصَعِدُوا) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: طَلَعُوا (إِلَى السَّمَاءِ) : أَيِ: السَّابِعَةِ (قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ) : أَيْ: بِهِمْ أَوْ بِحَالِهِمْ كَمَا فِي نُسْخَتَيْنِ (مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادِكِ) : فِيهِ غَايَةُ تَشْرِيفٍ لِبَنِي آدَمَ حَالَ كَوْنِهِمْ (فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ [وَيُمَجِّدُونَكَ] وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَتُخَفَّفُ (قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ) قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا يَا رَبِّ! قَالَ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ !) قَالَ الطِّيبِيُّ: جَوَابُ (لَوْ) مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَيْفَ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الْحَالِ أَيْ: لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي مَا يَكُونُ حَالُهُمْ فِي الذِّكْرِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.