٧٢ - وَعَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّ التَّحْرِيشَ بَيْنَهُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٧٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولٌ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّ الشَّيْطَانَ) : يَحْتَمِلُ الْجِنْسَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِبْلِيسُ رَئِيسُهُمْ (وَقَدْ أَيِسَ) أَيْ: صَارَ مَحْرُومًا، وَيَئِسَ (وَمِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ) : اخْتَصَرَ الْقَاضِي كَلَامَ الشُّرَّاحِ، وَقَالَ: عِبَادَةُ الشَّيْطَانِ عِبَادَةُ الصَّنَمِ؛ لِأَنَّهُ الْآمِرُ بِهِ، وَالدَّاعِي إِلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} [مريم: ٤٤] وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلِّينَ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " نَهَيْتُكُمْ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ ": سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ، وَأَظْهَرُ الْأَفْعَالِ الدَّالَةِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَيِسَ مِنْ أَنْ يَعُودَ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عِبَادَةِ الصَّنَمِ، وَيَرْتَدَّ إِلَى شِرْكِهِ (فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) : وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ ارْتِدَادُ أَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ، وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَدَوْا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ دَعْوَةَ الشَّيْطَانِ عَامَّةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الْكُفْرِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِعِبَادَةِ الصَّنَمِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُصَلِّينَ لَا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ كَمَا فَعَلَتْهُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، ثُمَّ الْجَزِيرَةُ هِيَ كُلُّ أَرْضٍ حَوْلَهَا الْمَاءُ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ مِنْ جَزَرَ عَنْهَا الْمَاءُ أَيْ: ذَهَبَ، وَقَدِ اكْتَنَفَتْ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الْبِحَارُ، وَالْأَنْهَارُ كَبَحْرِ الْبَصْرَةِ، وَعُمَانَ وَعَدَنٍ إِلَى بِرْكَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِهَا، وَبَحْرِ الشَّامِ، وَالنِّيلِ، وَدِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ أُضِيفَتْ إِلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهَا مَسْكَنُهُمْ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مَكَّةُ، وَالْمَدِينَةُ، وَالْيَمَنُ قِيلَ إِنَّمَا خَصَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ لِأَنَّ الدِّينَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَتَعَدَّ عَنْهَا، وَقِيلَ لِأَنَّهَا مَعْدِنُ الْعِبَادَةِ، وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ (وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ) : خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُوَ فِي التَّحْرِيشِ، أَوْ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ أَيْ يَسْعَى فِي التَّحْرِيشِ (بَيْنَهُمْ) أَيْ: فِي إِغْرَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالتَّحْرِيضِ بِالشَّرِّ بَيْنَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.