هَذَا مِنْ مُلَاطَفَاتِهِ وَمُطَايَبَاتِهِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: أَنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ، أَيِ: اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، فَتَجَوَّزْتُ أَيْ مِنْ صَلَاتِي يَعْنِي اخْتَصَرْتُهَا وَخَفَّفْتُهَا، وَقِيلَ: تَرَخَّصْتُ بِتَرْكِ الْمُتَابَعَةِ، وَقِيلَ: مِنَ الْجَوْزِ بِمَعْنَى الْقَطْعِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ إِذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ إِمَامَةِ الْإِمَامِ وَيُتِمَّهَا لِنَفْسِهِ بِالِاسْتِئْنَافِ، فَزُعِمَ: عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: زَعَمَ النَّاسُ أَنِّي مُنَافِقٌ، (فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُعَاذٍ) : إِقْبَالَ إِعْرَاضٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَيِ الرَّجُلَ ذَهَبَ إِلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَتَبِعَهُ مُعَاذٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَيْهِ غُدْوَةً وَمُعَاذٌ حَاضِرٌ، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَيْهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَذَكَرَ لَهُ، وَلَمَّا حَضَرَ مُعَاذٌ أَقْبَلَ إِلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (فَقَالَ: " يَا مُعَاذُ) : خِطَابُ عِتَابٍ (أَفَتَّانٌ) ، أَيْ: أَمُنَفِّرٌ (أَنْتَ؟) : وَمَوْقِعٌ لِلنَّاسِ فِي الْفِتْنَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى كَرَاهَةِ صُنْعِهِ لِأَدَائِهِ إِلَى مُفَارَقَةِ الرَّجُلِ الْجَمَاعَةَ فَافْتَتَنَ بِهِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، الْفِتْنَةُ: صَرْفُ النَّاسِ عَنِ الدِّينِ وَحَمْلُهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، قَالَ تَعَالَى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات: ١٦٢] ، أَيْ: بِمُضِلِّينَ (اقْرَأْ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: ١] ، أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى {وَالضُّحَى} [الضحى: ١] ، أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: ١] : وَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: ١] : الْوَاوُ فِيهِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَلَا إِشْكَالَ أَوْ بِمَعْنَى اقْرَأْ هَذِهِ السُّورَةَ وَأَمْثَالَهَا مِنْ أَوْسَاطِ أَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى سُنِّيَّةِ تَخْفِيفِ الْإِمَامِ لِلصَّلَاةِ وَأَنْ يَقْتَدِيَ بِأَضْعَفِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ مَعَ كُلٍّ أَنَّ الْأُولَى لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةَ لِلثَّانِيَةِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَنَا كَوْنُ السُّورَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، وَالْقِرَاءَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ، وَخِلَافُهُ قِيلَ: مَفْضُولٌ، وَقِيلَ: خِلَافُ الْأَوْلَى قَالَ أَئِمَّتُنَا: فَلَوْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: قُلْ أُعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ أَوَائِلَ الْبَقَرَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَا فِي الْحَدِيثِ يَرُدُّ ذَلِكَ وَيُنَافِيهِ، قُلْتُ: لَا مُنَافَاةَ، بَلْ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مُطْلَقِ بَيَانِ أَنَّ الْمُتَأَكَّدَ عَلَى الْإِمَامِ لِغَيْرِ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ أَنْ يُخَفِّفَ فَمَثَّلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتِلْكَ السُّوَرِ وَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنْ عَدَمِ نَدْبِ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ غَيْرُ مُرَادٍ، كَمَا عُلِمَ مِنْ فِعْلِهِ الَّذِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ بِقَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ قَرَأَ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِ الْآيِ أَثِمَ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْتُ: فَرَّقُوا بِأَنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ، قِيلَ: ظَنِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنِ اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِخِلَافِ تَرْتِيبِ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ تَوْقِيفِيٌّ قَطْعِيٌّ، فَمُيِّزَ الْقَطْعِيُّ بِحُرْمَةِ مُخَالَفَتِهِ بِخِلَافِ الظَّنِّيِّ، وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بِأَنَّ عَكْسَ الْآيِ مُخِلٌّ بِالْإِعْجَازِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ عَكْسِ السُّوَرِ اهـ، وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بِأَنَّ عَكْسَ الْآيِ مُخِلٌّ بِالْمَعْنَى غَالِبًا، فَلَا يَحِلُّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.