قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْقَوْمِ مِمَّا فَزِعُوا مِنْهُ، وَأَنَّ تِلْكَ الْغَفْلَةَ كَانَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - قُلْتُ: هَذَا احْتِجَاجٌ بِالْقَدَرِ، وَحَسَنُهُ خَوْفُهُمْ مَعَ عَدَمِ تَقْصِيرِهِمْ فِي تَأْخِيرِهِمْ حَيْثُ لَا حَرَجَ فِي النَّوْمِ، سِيَّمَا مَعَ الِاحْتِرَاسِ بِأَمْرِ بِلَالٍ لِإِيقَاظِ النَّاسِ (وَلَوْ شَاءَ) أَيْ: أَنْ يَرُدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ (لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا) بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ، وَقِيلَ: بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ: غَيْرِ هَذَا الْحِينِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَيَكُونُ الْقَبْضُ وَالرَّدُّ كِلَاهُمَا مَجَازًا، وَيُحْتَمَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزمر: ٤٢] وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا إِشَارَةً إِلَى الْمَوْتِ الْمَجَازِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى} [الزمر: ٤٢] أَيِ: الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا. (فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: غَافِلًا وَذَاهِلًا (عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، وَأَنْ يَكُونَ تَنْوِيعًا فِي الْحَدِيثِ أَيْ: غَفَلَ عَنْهَا بِسَبَبِ النَّوْمِ أَوْ نَسِيَهَا بِأَمْرٍ آخَرَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ التَّنْوِيعُ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَإِنْ لَوْ كَانَ لِلشَّكِّ لَقَالَ أَوْ نَسِيَ لِيَكُونَ بَدَلًا عَنْ رَقَدَ، أَوْ قَالَ: نَسِيَ أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ لِيَكُونَ بَدَلًا عَنِ الْكُلِّ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ: " «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ أَوْ نَامَ عَنْهَا» "، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ خِلَافُ النَّوْمِ فَلَا يُجْدِي نَفْعًا (ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمِنَ (فَزِعَ) مَعْنَى الْتَجَأَ فَعُدِّيَ بِ (إِلَى) أَيِ: الْتَجَأَ إِلَى الصَّلَاةِ فَزَعًا يَعْنِي الْتَجَأَ مِنْ تَرْكِهَا إِلَى فِعْلِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: ٥٠] أَيْ: مِمَّا سِوَى اللَّهِ (فَلْيُصَلِّهَا) أَيْ: حِينَ قَضَاهَا (كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَيُسِرُّ فِي السِّرِّيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِ عُلَمَائِنَا حَيْثُ قَالَ: وَخَافَتَ حَتْمًا إِنْ قَضَى (ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: مِنَ الْقَوْمِ (إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) فَإِنَّهُ لَهُمْ رَئِيسٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَلِلنَّبِيِّ صِدِّيقٌ وَصَدِيقٌ، فَفِي الْتِفَاتِهِ غَايَةُ الْتِفَاتِ وَنِهَايَةُ نَوْعٍ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ (فَقَالَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ) أَيْ: شَيْطَانَ الْوَادِي، أَوْ شَيْطَانَ بِلَالٍ، أَوِ الشَّيْطَانَ الْكَبِيرَ (أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ) أَيْ: أَسْنَدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ اضْطَجَعَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا اللَّاحِقُ (ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُهْدِئُهُ) مِنَ الْإِهْدَاءِ أَيْ: يُسَكِّنُهُ وَيُنَوِّمُهُ. فِي النِّهَايَةِ: الْهُدُوءُ وَالسُّكُونُ عَنِ الْحَرَكَاتِ مِنَ الْمَشْيِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الطَّرِيقِ (كَمَا يُهْدَأُ الصَّبِيُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: أَهْدَأْتُ الصَّبِيَّ وَأَسْكَنْتُهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَضْرِبَ كَفَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكُنَ وَيَنَامَ (حَتَّى نَامَ) .
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ أَسْنَدَ تِلْكَ الْغَفْلَةَ ابْتِدَاءً إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَفِي قَوْلِ بِلَالٍ: أَخَذَ بِنَفْسَيِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. ثُمَّ أَسْنَدَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَسْأَلَةُ خَلْقِ الْأَفْعَالِ. أَيْ: أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ فِيهِمْ، فَمَكَّنَ الشَّيْطَانَ مِنَ اكْتِسَابِ مَا هُوَ جَالِبٌ لِلْغَفْلَةِ أَوِ النَّوْمِ مِنَ الْهُدُوءِ وَغَيْرِهِ.
( «ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ إِظْهَارُ مُعْجِزَةٍ، وَلِذَا صَدَّقَهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالشَّهَادَةِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: فِي الْمُوَطَّأِ (مُرْسَلًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ زَيْدًا تَابِعِيٌّ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.