ومثل هذا الحصر يكون من الطرفين، حصر الأول في الثاني، وهو مطرد، وحصر الثاني في الأول نحو قوله:{إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ}[يس: ١١] ، وقوله:{إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}[النازعات: ٤٥] ، وقوله:{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}[السجدة: ١٥، ١٦] .
وذلك أنه أثبت الخشية للعلماء، ونفاها عن غيرهم، وهذا كالاستثناء؛ فإنه من النفي إثبات، عند جمهور العلماء، كقولنا:" لا إله إلا الله "، وقوله تعالى:{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}[الأنبياء: ٨٢] ، وقوله:{وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه}[سبأ: ٢٣] ، وقوله:{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}[الفرقان: ٣٣] .
وقد ذهب طائفة إلى أن المستثنى مسكوت عنه، لم يثبت له ما ذكر، ولم ينف عنه.
وهؤلاء يقولون ذلك في صيغة الحصر بطريق الأولى، فيقولون: نفي الخشية عن غير العلماء، ولم يثبتها لهم.
والصواب: قول الجمهور، أن هذا كقوله:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}[الأعراف: ٣٣] فإنه ينفي التحريم عن غير هذه الأصناف ويثبتها لها، لكن أثبتها للجنس، أو لكل واحد واحد من العلماء، كما يقال: إنما يحج المسلمون، ولا يحج إلا مسلم، وذلك أن المستثنى هل هو مقتض أو شرط؟
ففي هذه الآية وأمثالها هو مقتض، فهو عام؛ فإن العلم بما أنذرت به