وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، إذْ هَمُّوا مِنْكَ بِمَا هَمُّوا {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ثُمَّ الْقِصَّةُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} يَا مُحَمَّدُ {مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} الْقَاطِعِ الْفَاصِلِ الْحَقِّ، الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ الْبَاطِلُ، مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى، وَعَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَا تقبلنَّ خَبَرًا غَيْرَهُ. {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ} "فَاسْتَمِعْ" {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} ، أَيْ: مَا جَاءَكَ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى {فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} أَيْ: قَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تمتريَنَّ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا: خُلق عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكر فَقَدْ خَلقت آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ أُنْثَى وَلَا ذَكَرٍ، فَكَانَ كَمَا كَانَ عِيسَى لَحْمًا وَدَمًا، وشَعْرًا وبَشرًا، فَلَيْسَ خَلْق عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكر بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا. {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أي: من بعدما قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِنْ خَبَرِهِ، وَكَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ، {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عُبَيْدة: نَبْتَهِلْ: نَدْعُو بِاللَّعْنَةِ، قَالَ أعْشَى بَنِي قَيْس بْنِ ثَعْلَبة:
لَا تقْعُدَنَّ وَقَدْ أكَّلْتَها حَطبًا ... نعوذُ مِنْ شرِّها يَوْمًا ونبتهلُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَقُولُ: نَدْعُو بِاللَّعْنَةِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بَهل اللَّهُ فُلَانًا، أَيْ لَعَنَهُ، وَعَلَيْهِ بَهْلةُ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: بُهْلة اللَّهِ، أَيْ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَنَبْتَهِلْ أَيْضًا: نَجْتَهِدْ، فِي الدُّعَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: {إِنَّ هَذَا} الَّذِي جِئْتُ بِهِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى {لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} مِنْ أَمْرِهِ {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فَدَعَاهُمْ إلَى النَّصَف، وَقَطَعَ عَنْهُمْ الْحُجَّةَ.
إبَاؤُهُمْ الْمُلَاعَنَةَ: فَلَمَّا أَتَى رسولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الخبرُ مِنْ اللَّهِ عَنْهُ، والفَصْلُ مِنْ الْقَضَاءِ بينَه وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ إنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعَاهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتنَا إلَيْهِ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عبدَ المسيح، ماذا ترى؟ فقال: والله أيا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عَرَفتم أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بالفَصْل مِنْ خبرِ صاحبِكم،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.