للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وُجُوهُهُمَا ثُمَّ يُحملان عَلَى حِمَاريْن وَتُجْعَلُ وُجُوهُهُمَا مِنْ قِبلِ أَدْبَارِ الْحِمَارَيْنِ- فَاتَّبِعُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ مَلِك، وَصَدِّقُوهُ: وَإِنْ هُوَ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرَّجْمِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يَسْلبَكُموه، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَذَا رَجُلٌ قَدْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَاحْكُمْ فِيهِمَا، فَقَدْ وَلَّيْنَاكَ الْحُكْمَ فِيهِمَا. فَمَشَى رسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى أَتَى أحبارَهم فِي بَيْتِ المدْرَاس فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَخْرِجُوا إليَّ علماءَكم، فَأُخْرِجَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بعضُ بَنِي قُرَيْظة: أَنَّهُمْ قَدْ أَخَرَجُوا إلَيْهِ يَوْمئِذٍ، مَعَ ابْنِ صُوريا، أَبَا يَاسِرِ بْنِ أخْطَب، وَوَهْبَ بْنَ يَهُوذا، فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ عُلَمَاؤُنَا. فَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى حَصَّل أمرَهم، إلَى أَنْ قَالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيَّا: هَذَا أَعْلَمُ مَنْ بقيَ بِالتَّوْرَاةِ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ قَوْلِهِ: "وَحَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ"، إلَى: "أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالتَّوْرَاةِ" مِنْ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.

فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ غُلَامًا شَابًّا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنا، فألَظَّ بِهِ١ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- المسألة، يقول له: يابن صُوريا، أنْشُدك اللَّهَ وأذكِّرك بأيامِهِ عِنْدَ بَنِي إسرائيلَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِيمَنْ زنَى بَعْدَ إحصانهِ بِالرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، أَمَا وَاَللَّهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ أَنَّكَ لَنَبِيٌّ مُرْسَل وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكَ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَمَرَ بِهِمَا فرُجما عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ فِي بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُوريا، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أَيْ: الَّذِينَ بَعَثُوا مِنْهُمْ مَنْ بَعَثُوا وَتَخَلَّفُوا، وَأَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ تَحْرِيفِ الْحُكْمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، ثُمَّ قَالَ: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ} ، أي: الرجم، {فَاحْذَرُوا} [المائدة: ٤١] إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي محمدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَكَانة عن إسماعيل عن إبْرَاهِيمَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِرَجْمِهِمَا، فرُجما بِبَابِ مَسْجِدِهِ، فَلَمَّا وجدَ اليهوديُّ مَسَّ الحِجارة قَامَ إلَى صَاحِبَتِهِ فَجَنَأَ عَليْها٢، يَقِيهَا مَسَّ الحجارةِ، حتى قُتلا جميعًا،


١ ألظ به: ألح عليه.
٢ جنا: انحنى.

<<  <  ج: ص:  >  >>