أَتُفَادُونَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَتُخْرِجُونَهُمْ كُفَّارًا بِذَلِكَ: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: ٨٥، ٨٦] فَأَنَّبَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ، وَقَدْ حرَّم عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سفكَ دمائِهم. وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ.
فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ، مِنْهُمْ بَنُو قَيْنقاع ولَفُّهم١، حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةَ ولَفُّهم، حُلَفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانُوا إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ، خَرَجَتْ بَنُو قَيْنقاع مَعَ الْخَزْرَجِ وَخَرَجَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إخْوَانِهِ حَتَّى يَتَسَافَكُوا. دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَبِأَيْدِيهِمْ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ. لَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً، وَلَا كِتَابًا، وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، فَإِذَا وَضعت الْحَرْبُ أوزارَها افْتَدَوْا أُسَارَاهُمْ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وأخذَ بِهِ بعضُهم مِنْ بعضٍ، يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَنْ كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيَدِي الْأَوْسِ وَتَفْتَدِي النَّضِيرُ وقريْظة مَا فِي أَيَدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ. ويُطِلُّون٢ مَا أَصَابُوا مِنْ الدِّمَاءِ، وقَتْلى مَنْ قُتلوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ حَيْنَ أَنَّبَهُمْ بِذَلِكَ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أَيْ: تُفَادِيهِ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وتقتله، وفي حكم التوراة ألا تَفْعَلَ، تَقْتُلُهُ وتُخرجه مِنْ دَارِهِ وتُظاهر عَلَيْهِ مَنْ يُشركُ بِاَللَّهِ، وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ، ابْتِغَاءَ عَرَض الدُّنْيَا. فَفِي ذَلِكَ مِنْ فعلِهم مَعَ الأوْس وَالْخَزْرَجِ -فِيمَا بَلَغَنِي- نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} أَيْ: الْآيَاتُ الَّتِي وُضعت عَلَى يَدَيْهِ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وخلْقهِ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، وَالْخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْغُيُوبِ: مِمَّا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ مَعَ الإِنجيل، الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ كفرَهم بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَقَالَ: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} : فِي أكِنَّة. يقول عز وجل:
١ لفهم: من عد فيهم.٢ يطلون: يبطلون.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute