للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَيَنْهَاهُمْ، حَتَّى عَقَلُوا عَنْهُ مَا سَمِعُوا، ثُمَّ انْصَرَفَ بِهِمْ إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ حرَّف فَرِيقٌ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَقَالُوا، حَيْنَ قَالَ مُوسَى لِبَنِي إسْرَائِيلَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ ذَلِكَ الْفَرِيقُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إنَّمَا قَالَ كَذَا وَكَذَا، خِلَافًا لِمَا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ، فَهُمْ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} أَيْ: بِصَاحِبِكُمْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ إلَيْكُمْ خَاصَّةً، {وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا} : لَا تُحَدِّثُوا الْعَرَبَ بِهَذَا، فَإِنَّكُمْ قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: ٧٦] أَيْ تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّهُ قَدْ أُخِذَ لَهُ الْمِيثَاقُ عَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا، اجْحَدُوهُ وَلَا تُقِرُّوا لَهُمْ بِهِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} . [البقرة: ٧٧، ٧٨] .

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدة: إلَّا أَمَانِيَّ، إلَّا قِرَاءَةً؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ: الَّذِي يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ. يَقُولُ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ، إلَّا أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَهُ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْ أَبِي عُبيدة وَيُونُسَ، أَنَّهُمَا تَأَوَّلَا ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيدة بِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النحويُّ وَأَبُو عُبَيدة: أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: تمنَّى، فِي مَعْنَى قَرَأَ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: ٨٢] قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدة النَّحْوِيُّ:

تمنَّى كتابَ اللَّهِ أولَ ليلهِ ... وآخرَهُ وَافَى حِمامُ المقادِرِ

وَأَنْشَدَنِي أَيْضًا:

تمنَّى كتابَ اللَّهِ فِي الليلِ خَالِيًا ... تَمنِّيَ داودَ الزَّبورَ عَلَى رِسْلِ

وَوَاحِدَةُ الْأَمَانِيِّ: أمنيَّة. وَالْأَمَانِيُّ أَيْضًا: أَنْ يَتَمَنَّى الرجلُ المالَ أَوْ غيرَه.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ، وَهُمْ يَجْحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِالظَّنِّ. {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٨٠] .

<<  <  ج: ص:  >  >>