لأتخذنَّه حَنَانًا١، حَتَّى مَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَوْمًا، وَهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ بِهِ، وَكَانَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي جُمَح، فَقَالَ لِأُمَيَّةِ بْنِ خَلَفٍ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ؟ حَتَّى مَتَى؟! قَالَ: أَنْتَ الَّذِي أفسدتَه فأنقذْه مِمَّا تَرَى؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَفْعَلُ، عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ مِنْهُ وَأَقْوَى، عَلَى دِينِكَ، أعْطِيكه بِهِ؛ قَالَ: قَدْ قبلتُ فَقَالَ: هُوَ لَكَ. فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- غلامَه ذَلِكَ، وَأَخَذَهُ فَأَعْتَقَهُ.
مَنْ أعتقهم أبو بكر: ثُمَّ أَعْتَقَ مَعَهُ عَلَى الِإسلام قَبْلَ أَنْ يهاجرَ إلَى الْمَدِينَةِ سِتَّ رقابٍ، بلالٌ سَابِعُهُمْ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وقُتل يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا؟ وَأُمُّ عُبَيْس وزِنِّيرة، وَأُصِيبَ بصرُها حِينَ أَعْتَقَهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا أَذْهَبَ بصرَها إلَّا اللاتُ والعزَّى؛ فَقَالَتْ: كذَبوا وبيتِ اللَّهِ مَا تضرُّ اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَا تنفعان، فرد اللهُ بصرَها.
وأعتق الهَدِيةَ وبنتَها، وَكَانَتَا لِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَمَرَّ بِهِمَا وَقَدْ بَعَثَتْهُمَا سَيِّدَتُهُمَا بِطَحِينٍ لَهَا، وهى تقول: والله لا أعتقهما أَبَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حِلِّ٢ يَا أُمَّ فُلَانٍ؛ فَقَالَتْ: حِلَّ، أَنْتَ أَفْسَدْتَهُمَا فَأَعْتِقْهُمَا؛ قَالَ: فَبِكَمْ هُمَا؟ قَالَتْ بِكَذَا وكذا؛ قال: وقد أَخَذْتُهُمَا وَهُمَا حُرَّتَانِ، أَرْجِعَا إلَيْهَا طَحِينَهَا، قَالَتَا: أو نفرُغ مِنْهُ يَا أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ نَرُدُّهُ إلَيْهَا؛ قَالَ: وَذَلِكَ إنْ شِئْتُمَا.
وَمَرَّ بِجَارِيَةِ بَنِي مُؤمَّل، حَيٍّ من بني كَعْبٍ، وَكَانَتْ مُسلمة، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعَذِّبُهَا لِتَتْرُكَ الِإسلام، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَهُوَ يضربُها، حَتَّى إذَا ملَّ قَالَ: إنِّي أَعْتَذِرُ إليكِ، إني لم أتركْك إلَّا مَلَالَةً؛ فَتَقُولُ: كَذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ. فابتاعها أبو بكر، فأعتقها.
أبو قحافة يلوم أبا بكر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي محمدُ بْنُ عَبْدِ المطلب بْنِ أَبِي عَتِيق، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ:
قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا بُنَي، إنِّي أَرَاكَ تُعْتِق رِقَابًا ضِعافًا فَلَوْ أَنَّكَ إذا مَا فعلتَ أعتقتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ دونَك؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَا أبتِ، إني
١ حنانا: أي إذا مات أجل قبره متبركًا به.٢ أي تحللي من يمينك.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.