فيه: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} [الكهف: ٢] : أَيْ عَاجِلَ عُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابًا أَلِيمًا فِي الْآخِرَةِ: أَيْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ الَّذِي بَعَثَ رَسُولًا. {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف: ٢، ٣] أَيْ دَارُ الْخُلْدِ. لَا يَمُوتُونَ فِيهَا الَّذِينَ صَدَّقُوكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا كَذَّبَكَ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرْتهمْ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ. {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا} [الكهف: ٤] يَعْنِي قُرَيْشًا فِي قَوْلِهِمْ: إنَّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَهِيَ بناتُ اللَّهِ: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ} [الكهف: ٥] الَّذِينَ أَعْظَمُوا فِرَاقَهُمْ وَعَيْبَ دِينِهِمْ. {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} : أَيْ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ: {إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} يَا مُحَمَّدُ، {عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: ٦] ، أَيْ لِحُزْنِهِ عَلَيْهِمْ حِينَ فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ، أَيْ لَا تَفْعَلْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَاخِعٌ نَفْسَكَ: أَيْ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ ذُو الرّمَّة:
أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الوَجْدُ نفسَه ... لشيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْه المقَادِرُ
وَجَمْعُهُ: بَاخِعُونَ وبَخَعة. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ بخعْتُ لَهُ نُصْحِي وَنَفْسِي: أَيْ جَهَدْتُ لَهُ. {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} . [الكهف: ٧] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ أَيُّهُمْ أتبعُ لِأَمْرِي، وأعملُ بِطَاعَتِي. {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: ٨] أَيْ الْأَرْضِ، وَإِنَّ مَا عَلَيْهَا لفانٍ وَزَائِلٌ، وَإِنَّ الْمَرْجِعَ إلَيَّ، فَأَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، فَلَا تأسَ وَلَا يحزنْك مَا تَسْمَعُ وَتَرَى فِيهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصَّعِيدُ: الْأَرْضُ، وَجَمْعُهُ: صُعُد. قَالَ ذُو الرّمَّة يَصِفُ ظَبْيًا صَغِيرًا:
كَأَنَّهُ بالضحَى تَرْمِي الصعيدَ بِهِ ... دبَّابةٌ فِي عِظام الرأسِ خُرطومُ١
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. والصعيد: الطَّرِيقُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إيَّاكُمْ والقعودَ عَلَى الصُّعَداتِ"، يُرِيدُ الطرقَ. والجُرُز: الْأَرْضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَجَمْعُهَا: أجْراز. وَيُقَالُ؛ سَنة جُرز، وَسُنُونَ أجْراز، وَهِيَ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا مَطَرٌ، وَتَكُونُ فِيهَا جُدُوبَةٌ ويُبس وَشِدَّةٌ. قال ذو الرّمَّة يصف إبلًا:
طوى النحْزُ والأجْراز مَا فِي بُطونها ... فَمَا بقيتْ إلَّا الضلوعُ الجَراشِعُ٢
١ الدبابة والخرطوم: الخمر.٢ الجراشع المنتفخة.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.