لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا مَمْلُوكَيْنِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ رِقَّهُمَا يُنْقِصُ الطَّلَاقَ. وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقَ الْعَبْدِ شَيْئًا، وَيَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو داود قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ مُعَتِّبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ اسْتَفْتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فِي مَمْلُوكٍ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ أُعْتِقَا بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَهَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَقَدْ سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِعُمَرَ: مَنْ أَبُو حَسَنٍ هَذَا؟ لَقَدْ تَحَمَّلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً قَالَ أَبُو دَاوُد: وَأَبُو حَسَنٍ هَذَا رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا مَمْلُوكَيْنِ أَنَّهَا تَحْرُمُ بِالِاثْنَتَيْنِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ.
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّسَاءِ، حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ" وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَنَدِهِ. وَقَدْ اسْتَعْمَلَتْ الْأُمَّةُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي نُقْصَانِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ وُرُودُهُ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، فَصَارَ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ; لِأَنَّ مَا تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَهُوَ عِنْدَنَا فِي مَعْنَى الْمُتَوَاتِرِ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ الشَّارِعُ فِي قَوْلِهِ: "وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ" بَيْنَ مَنْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ اعْتِبَارُ الطَّلَاقِ بِهَا دُونَ الزَّوْجِ. وَدَلِيلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ يُوجِبُ نَقْصَ الطَّلَاقِ كَمَا يُوجِبُ نَقْصَ الْحَدِّ، ثُمَّ كَانَ الِاعْتِبَارُ فِي نُقْصَانِ الْحَدِّ بِرِقِّ مَنْ يَقَعُ بِهِ دُونَ مَنْ يُوقِعُهُ، وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ نُقْصَانُ الطَّلَاقِ بِرِقِّ مَنْ يَقَعُ بِهِ دُونَ مَنْ يُوقِعُهُ، وَهُوَ الْمَرْأَةُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَفْرِيقَ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ تَفْرِيقَ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا فِي أَطْهَارٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَمْ يُمْكِنْهُ إيقَاعُ الثَّالِثَةِ بِحَالٍ؟ فَلَوْ كَانَ مَالِكًا لِلْجَمِيعِ لَمَلَكَ التَّفْرِيقَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ كَمَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلثَّلَاثِ إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً. والله أعلم.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.