تقدم في أول التمهيد شرح معنى الوسط والتوسط في اللغة، وفي لسان الشرع، وأريد هنا أن أبين معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة في قوله تبارك وتعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ١.
فالذي يتلخص لنا مما تقدم٢ أن للوسطية المشار إليها في الآية الكريمة ثلاثة معان:
المعنى الأول: العدالة
وهذا المعنى نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية فقال: بعد أن تلا الآية: "والوسط: العدل"٣. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:{جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ، قال: عدولًا"٤. وروي هذا التفسير موقوفًا عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما٥.
ولذلك جعل الله هذه الأمة شاهدة على الناس، ورتب هذه الشهادة على كونها وسطًا؛ أي: عدلًا؛ إذ العدالة من شروط قبول الشهادة.
والوسط في حقيقته يتضمن معنى العدل؛ وإنما سمي العدل: "وسطًا"؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين.
"فالوسط في الأصل: هو اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من
١ سورة البقرة آية ١٤٣. ٢ انظر: ص ١٥ وما بعدها. ٣ خ: كتاب التفسير، سورة البقرة ٨/ ١٧١ ح، وهو طرف من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وسيأتي بتمامه. ٤ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٣/ ١٤٣، ح ٢١٦٨. ٥ نفس المصدر ٣/ ١٤٤- ١٥٤.