فَكَانَ إِذَا بَكَى، اسْتَنْقَعَتْ دُمُوعُهُ فِي الْقِطْعَتَيْنِ فَتَقُومُ أُمُّهُ فَتَعْصِرُهُمَا، فَكَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى دُمُوعِهِ تَجْرِي عَلَى ذِرَاعَيْ أُمِّهِ قَالَ:
"اللَّهُمَّ هَذِهِ دُمُوعِي، وَهَذِهِ أُمِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنْتَ الرَّحْمَنُ.
فَأَيُّ مَالٍ عَلَى مَا تَسْمَعُ وَرِثَهُ يَحْيَى؟ وَأَيُّ مَالٍ وَرِثَهُ زَكَرِيَّا؟ وَإِنَّمَا كَانَ نجارًا وحبرًا.
قَول ابْن عَبَّاس فِي مِيرَاث يحيى:
وَقد قَالَ بن عَبَّاسٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ؛ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي} ، أَيْ: يَرِثُنِي الْحُبُورَةَ، وَكَانَ حَبْرًا.
{وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} ، أَيْ: يَرِثُ الْمُلْكَ، وَكَانَ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ، مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَأَجَابَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ إِلَى وِرَاثَةِ الْحُبُورَةِ، وَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى وِرَاثَةِ الْمُلْكِ.
وَكَانَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَرِهَ أَنْ يَرِثَهُ ذَلِكَ عَصَبَتُهُ، وَأَحَبَّ أَنْ يَهَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلَدًا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَرِثُهُ عِلْمَهُ.
وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} ١.
وِرَاثَةُ سُلَيْمَانَ لِدَاوُدَ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} ٥، فَإِنَّهُ أَرَادَ وِرْثَهُ٣ الْمُلْكَ وَالنُّبُوَّةَ وَالْعِلْمَ، وَكِلَاهُمَا كَانَ نَبِيًّا وَمَلِكًا، وَالْمُلْكُ: السُّلْطَانُ وَالْحُكْمُ وَالسِّيَاسَةُ، لَا المَال.
١ الْآيَة: ٨٩ من سُورَة الْأَنْبِيَاء.٢ الْآيَة: ١٦ من سُورَة النَّمْل.٣ وَفِي نُسْخَة: "وَرَثَة الْملك".
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute