وَقَدْ أَكَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَهُ، وَأَكَلَهُ عُمَرُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ، أَقْدَمُوا عَلَى الشُّبْهَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ وَقَعَ فِيهِ سَهْوٌ مِنْ بَعْضِ النَّقَلَةِ، وَكَانَ١: "لَا آكُلُهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ" حَسْبُ.
فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّهُ وَلَا يُحَرِّمُهُ، كَمَا أَنه لايأكله وَلَا يَنْهَى عَنْهُ، وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ مِنْ جِهَةِ التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ، لِأَنَّهُ عَافَهُ٢.
وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أُتِيَ بِضَبٍّ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي كُشْيَتِهِ٣ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّمْهُ وَلَكِنَّهُ قَذِرَهُ٤.
وَيُوَضِّحُ لَكَ هَذَا أَيْضًا أَنَّ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، رَوَى عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، عَن الشّعبِيّ، عَن بن عُمَرَ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُونَ شَيْئًا، وَفِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهُ ضَبٌّ"، فَأَمْسَكُوا.
فَقَالَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُوا، فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي" ٥.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى غلط النَّاقِل عَن بن عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا، وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ.
وَأَمَّا تَرْكُهُ أَكْلَهُ وَهُوَ حَلَالٌ عِنْدَهُ، فَلَيْسَ كُلُّ الْحَلَالِ تَطِيبُ النُّفُوسُ بِهِ، وَلَا يَحْسُنُ بِالْمَرْءِ أَنْ يَفْعَلَهُ.
فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا الشَّاءَ، وَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا مِنْهَا إِلَّا الدَّمَ الْمَسْفُوحَ.
١ وَكَانَ: أَي هَذَا الحَدِيث.٢ عافه: كرهه فَلم يَأْكُلهُ.٣ الكشية: شحمة بطن الضَّب.٤ قذره كرهه تقذرًا: ويتقذر الشَّيْء فَلَا يَأْكُلهُ. "الْقَامُوس الْمُحِيط" ص٥٩٢.٥ الحَدِيث: أخرجه البُخَارِيّ فِي الذَّبَائِح بَاب الضَّب، وَمُسلم حَدِيث رقم ١٩٤٦، وَالنَّسَائِيّ رقم ٤٣٢٢، وَابْن ماجة رقم ٣٢٤١.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.