فمَنْ قال في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولانِ، فقد خالفَ الإجماعَ (١).
مناقشة الدليل الأول: لا نُسلّمُ انعقادَ إجماعِ الصحابةِ - رضي الله عنهم - على المنعِ مِنْ قولِ: فيها قولان، في مسألةٍ واحدةٍ؛ إذ اتفاقهم على تركِ العبارةِ السابقةِ، لا يدلُّ على منعِها؛ إذ هم لم يصرحوا بالمنعِ (٢).
الدليل الثاني: أنَّ قولَ القائلِ بقولين متنافيين محالٌ عقلًا، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا قبل قليلٍ.
فالأول - أن يكون القولانِ صحيحينِ -: غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الشيءَ الواحدَ لا يجوزُ أنْ يكونَ حلالًا حرامًا؛ لأنَّ الحقَّ واحدٌ، والضدانِ لا يجتمعانِ.
والثاني - أنْ يكونَ القولانِ فاسدين -: غيرُ جائزٍ أيضًا؛ لأنَّهما لو كانا عند القائلِ فاسدين لما حكاهما، ولَوَجَبَ عليه أنْ يبيّنَ وجه فسادِهما، فالقولُ بهما حرامٌ.
والثالث - أنْ يكونَ أحدُ القولين صحيحًا والآخر فاسدًا -: غيرُ جائرٍ؛ لأنَّه لو كانَ الأمرُ كذلك لبيَّنَ إمامُ المذهبِ أمرَه، أو رجّحه بنوعٍ مِنْ أنواعِ الترجيحِ (٣)، ثمَّ لا يخلو حال المتكلمِ مِنْ أحدِ أمرين: إمَّا أنْ يعلمَ أنَّ أحدَ القولين صحيحٌ، وإمَّا أنْ لا يعلمَ ذلك.
(١) انظر: العدة (٥/ ١٦١١)، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٥)، وقواطع الأدلة (٥/ ٦٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/٥٠). (٢) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٥). (٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٥٩)، والتحبير (٨/ ٣٩٥٥ - ٣٩٥٦)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٢ - ٤٩٢).