فَأَما شُرُوط إِيجَاب الْأَشْيَاء على التَّخْيِير فضربان أَحدهمَا أَن يتَمَكَّن الْمُكَلف من الْفِعْلَيْنِ بِأَن يقدر عَلَيْهِمَا ويتميزان لَهُ وَالْآخر أَن يتساوى الفعلان فِي الصّفة الَّتِي تنَاولهَا التَّعَبُّد نَحْو أَن يَكُونَا واجبين أَو ندبين لِأَنَّهُ لَو خير الله سُبْحَانَهُ بَين قَبِيح ومباح لَكَانَ قد فسح فِي فعل الْقَبِيح تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَلَو خير بَين ندب ومباح لَكَانَ قد جعل للمكلف أَن يَفْعَله وَأَن لَا يَفْعَله من غير أَن يتَرَجَّح فعله على تَركه وَذَلِكَ يدْخلهُ فِي كَونه مُبَاحا وَلَو خير بَين وَاجِب وَندب لَكَانَ قد فسح فِي ترك الْوَاجِب لِأَنَّهُ قد اباحه تَركه إِلَى غَيره
وَقد قيل إِن الله سُبْحَانَهُ لما خير بَين تَقْدِيم الزَّكَاة وتأخيرها لم يُخَيّر بَين وَاجِب وَنفل وَإِنَّمَا خير الْإِنْسَان بَين أَن يَجْعَل نَفسه عِنْد حؤول الْحول على الصّفة الَّتِي تلْزم مَعهَا الزَّكَاة بِأَن لَا يقدم الزَّكَاة وَبَين أَن يخرج نَفسه عَن هَذِه الصّفة بِأَن يقدمهَا وَعِنْدنَا أَنه إِنَّمَا خير بَين التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسد مسد صَاحبه فِي الْمصلحَة وَلَا يجوز أَن يُخَيّر الْإِنْسَان بَين أَن يفعل الْفِعْل وَلَا يَفْعَله إِلَّا إِذا كَانَ مُبَاحا لهَذَا قَالَ شُيُوخنَا إِن الْإِنْسَان إِنَّمَا خير بَين الصَّوْم فِي السّفر وَبَين الْعَزْم عَلَيْهِ فِي الْحَضَر وَعند قوم أَنه خير بَين الصَّوْم فِي السّفر وَبَين الصَّوْم فِي الْحَضَر فَلم يحصل التَّخْيِير بَين الْفِعْل وَتَركه
فَأَما الدّلَالَة على جَوَاز التَّعَبُّد بالأشياء على التَّخْيِير فَهِيَ أَنه لَا يمْتَنع فِي الْعقل أَن يصلح زيد عِنْد كل وَاحِد من فعلين كَمَا لَا يمْتَنع ان يصلح عِنْد فعل وَاحِد معِين وكما جَازَ أَن يكون الْفِعْل صلاحا لشخص وَاحِد جَازَ أَن يكون الفعلان صلاحا فِي وَاجِب وَاحِد أَلا ترى أَن الْإِنْسَان قد يظنّ أَن وَلَده لَا يمْضِي إِلَى