وأما قوله: وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ «١» مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... (١٤٦) فهو إخبار صحيح لكن قوله قاتَلَ مَعَهُ/ رِبِّيُّونَ فيه تقديران مناسبان لسياق القصة.
أحدهما: أن الكلام تم على قوله: «قتل» وفيه ضمير النبي، أي كائن. أي كم من نبي قتل، وهو صحيح، فإن الخصم قد اعترف بأن كثيرا من الأنبياء قتلوا كيحيى وزكريا والمسيح- على زعمه- وغيرهم كثير. وقوله: مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ جملة حالية، أي قتل حال كونه ذا أصحاب كثيرين فما أوجب قتله لهم أن تزلزلوا في دينه، بل ثبتوا عليه بعده «٢».
ووجه مناسبة هذا التقدير: أن الشيطان صاح يوم أحد:" قتل محمد" فاضطربت قلوب أصحابه. وقالوا: عمن عدنا نقاتل؟ ولمن نتبع؟ فعاتبهم الله على هذا «٣» بقوله: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) إلى قوله:
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ ... (١٤٦)«٤» أي ما ضعف أحد بعد نبيه ورجع عن دينه، كما هممتم أنتم أن/ تفعلوا.
(١) هذه قراءة جماعة من قراء الحجاز والبصرة. وجميع القراء ما عدا ابن عامر. ورجح ابن جرير هذه القراءة. [انظر كتاب الإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦٢٢، وتفسير ابن جرير ٤/ ١١٦، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٢٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٠، وتفسير ابن عطية ٣/ ٢٥١ - ٢٥٦]. (٢) انظر تفسير الطبري ٤/ ١١٦، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٢٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٠، وتفسير ابن عطية ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٧. (٣) انظر تفسير القرطبي ٤/ ٢٢٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٠٩. (٤) سورة آل عمران، آية: ١٤٤ - ١٤٦.