وقد زاد ذلك الأصل، وهذه العمومات تأييدًا وتأكيدًا الحديث المذكور في الوجه الثالث بلفظ:"ولكن عليكم بالفضة فالْعبوا بها لعبًا"(١) فيدخلُ في ذلك التحلّي بها بكل نوع من أنواع الحلية [٦أ]، ولبسُها على كل هيئة من هيئات اللُّبس.
وقد ورد ما يدلّ على جواز بعض أنواع الحلية، وهو مما يزيد ذلك الأصل، وتلك العمومات تأييدًا أيضًا كحديث اتخاذه ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ لخاتم الفضة، وإرشاده إلى اتخاذه كما في حديث بريدة عند أهل السنن (٢). قال: جاء رجل إلى النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ وعليه خاتمٌ من حديد فقال: "ما لي أرى عليك حلية أهل النار! " ثم جاءه وعليه خاتمٌ من صِفْرٍ، وفي رواية من شبهٍ فقال:"ما لي أجد منك رائحةَ الأصنام! " ثم جاءه وعليه خاتَمٌ من ذهب، فقال:"ما لي أرى عليك منك رائحةَ الأصنام! " ثم جاءه وعليه خاتَمٌ من ذهب، فقال:"ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة! " فقال: فَمِنْ أي شيء اتّخذهُ؟ قال:"من ورقٍ" قال الترمذي (٣): هذا حديث غريبٌ، وفي إسناده عبد الله بن مسلم أبو طيبة السُّلمي المروزي (٤)، قاضي مَروْ، روى عبد الله بن بريدة وغيره. قال أبو حاتم الرازي (٥): يُكْتَبُ حديثُه ولا يُحتَجُّ به، فجمع أنواع الحلية واللُّبس والاستعمال والانتفاع بالفضة حلالٌ لا يخرج من ذلك إلاَّ ما خصَّه الدليلُ، كالأحاديث المصرِّحة بتحريم الأكل والشرب في صِحافِهما.
فإن قلت: قد روى أبو داود (٦) من حديث ثوبانَ أن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله
(١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٢٢٣) والترمذي رقم (١٧٨٥) وقال: هذا حديث غريب. والنسائي رقم (٥١٩٨). (٣) في "السنن" (٤/ ٢٤٨). (٤) انظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٥٠٤ رقم ٤٦٠٥). (٦) أخرجه أبو داود رقم (٤٢١٣). قلت: وأخرجه أحمد في "المسند" (٥/ ٢٧٥) بسند ضعيف. - حميد الشامي: قال ابن عدي: أنكر عليه حديثه عن سليمان المنبهي ولا أعلم له غيره قال الذهبي: ولا أخرج له أبو داود سواه في ذكر فاطمة وتعليقها الستر وتحلية ولديها بقلبين. " الميزان" (١/ ٦١٧). - وسليمان المنبهي: تفرد عنه حميد الشامي، وقال ابن معين: لا أعرفهما. "الميزان" (٢/ ٢٢٩). قال الألباني في "ضعيف أبي داود": ضعيف الإسناد منكر. - قال الإمام النووي في "شرحه لصحيح مسلم" (١٤/ ٣٣) وعبارته: "وأما الصبيان فقال أصحابنا ـ أي الشافعية ـ يجوز إلباسهم الحلي والحرير في يوم العيد لأنّه لا تكليف عليهم، وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه: أصحها: جوازه. والثاني: تحريمه. والثالث: يحرم بعد سن التمييز" اهـ. قلت: لا فرق بين الصغير والكبير في الحرمة بعد أن كاد ذكرًا لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أدار هذا الحكم على الذكورة يقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هذان حرام على ذكور أمتي" ـ تقدم تخريجه وهو حديث صحيح ـ إلا أن اللابس إذا كان صغيرًا فالإثم على من ألبسه لا عليه لأنه ليس من أهل التحريم عليه. هذا إذا كان كله حريرًا وهو المصمت، وهذا ما قاله الحنفية ـ "بدائع الصنائع" (٥/ ١٣١) ـ والمالكية ـ "حاشية العدوى على الرسالة (٢/ ٤١٢) ط: عيسى الحلبي ـ وهوا لراجح عند الحنابلة ـ "المغني" (٢/ ٣٠٤) لعموم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حرام لباس الحرير على ذكور أمتي لا لإناثهم".