للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن إسماعيل بن الحبال الحميري، عن أبيه قال: كان محمد ابن إدريس الشافعي رجلا شريفاً، وكان يطلب اللغة والعربية والفصاحة والشعر في صغره، وكان كثيراً ما يخرج إلى البدو ويحمل ما فيه من الأدب، فبينما هو ذات يوم في حي من أحياء العرب، إذ جاء إليه رجل بدوي فقال له: ما تقول في امرأة تحيض يوماً وتطهر يوماً؟ فقال: لا أدري. فقال له: يا بن أخي: الفضيلة أولى بك من النافلة، فقال له: إنما أريد هذا لذاك، وعليه قد عزمت وبالله التوفيق وبه أستعين، ثم خرج إلى مالك بن أنس، وكان مالك صدوقاً في حديثه، صادقاً في مجلسه، وحيداً في جلوسه، فدخل عليه وارتفع على أصحابه فنهره مالك فوجده موقراً في الأدب، فرفعه على أصحابه وقدمه عليهم وقربه من نفسه، فلم يزل مع مالك إلى أن توفى مالك رحمه الله، ثم خرج إلى اليمن، وقد خرج بها الخارجي على هارون الرشيد، وطعن الشافعي عليه، وأعرض عمن ساعده، ورفع من قعد عنه، فبلغ ذلك الخارجي ما يقول فيه، فبعث إليه فأحضره عندهم وهم بقتله، فلما سمع كلامه وتبين له شرفه وفضله وعفته، عفا عنه وعرض عليه قضاء اليمن فامتنع من ذلك، ثم أشخص هارون جيشه إلى ذلك الخارجي، فقبض عليه وحمل إلى بساط السلطان، وحمل معه الشافعي، وأحضرا جميعاً بين يدي الرشيد، فأمر بقتلهما، فقال له الشافعي: يا أمير المؤمنين: إن رأيت تسمع كلامي وتجعل عقوبتك من رواء لساني، ثم تضمني بعد ذلك إلى ما يليق لي من الشدة والرخاء، فقال له: هات. فبين له القصة وعرفه شرفه، وذكر له كلاماً استحسنه هارون وأمره أن يعيده عليه، فأعاد تلك المعاني بألفاظ أعذب منها.

<<  <  ج: ص:  >  >>