بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، ندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعضوا على الأيدي أسفا على تقصيرهم في طاعة الله، وركونهم لمعاصي الله فقال، منهم قائل: يا ليتني قدمت لحياتي، وقال قائل: رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، وقال قائل: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وقال قائل: يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وقالت فرقة منهم ووجوههم تتقلب في أنواع العذاب فقالوا: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، فهذه النار يا معشر المسلمين يا حملة القرآن، حذرها الله المؤمنين في غير موضع من كتابه، فقال تعالى:(يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: ٦] و قال تعالى: (وَاتّقُواْ النّارَ الّتِيَ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ)[آل عمران: ١٣١]
و قال تعالى:(يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[الحشر: ١٨]
(ثم حذر المؤمنين أن يغفلوا عما فرض عليهم، وما عهده إليهم، ألا يضعوه، وأن يحفظوا ما استرعاهم من حدوده، ولا يكونوا كغيرهم ممن فسق عن أمره، فعذبهم بأنواع العذاب، فقال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[الحشر: ١٩]
(ثم أعلن الله للمؤمنين أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فقال تعالى: (لاَ يَسْتَوِيَ أَصْحَابُ النّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنّةِ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ)[الحشر: ٢٠] فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة، يرى بها ما حسن من فعله، وما قبح منه، فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه، فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدا وشفيعا وأنيسا وحرزا، ومن كان هذا وصفه، نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه، وعلى ولده كل خير في الدنيا وفي الآخرة.