للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[*] وقال الإمام المنَّاوي في فيض القدير (١):

للعبد حالتين في العبادة، حالة كونه ساجداً وحالة كونه مُتَلَبِّسًا بغير السُّجُودِ، فهو في حالة سُجُودِهِ أقْرَبُ إلى ربِّه ... " فأكثروا الدُّعَاء " أي في السُّجُودِ لأنَّها حَالَةُ غَايَةِ التَّذَلُلِ، وإذا عَرَفَ العبد أن ربَّه هو اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ، اَلْمُتَكَبُّرُ اَلْجَبَارُ، فالسُّجُودُ لذلك مَظَنَّةُ الإجابة٠

(فالسجود ووضع أشْرَفَ ما في الإنسان وهي جَبْهَتُهُ مَكَانَ الأقْدَامِ خُضُوعًا وتَذَلُّلاًً لله اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّار، يَرْتَقِي بالمسلم إلى مَرْتَبَةٍ رَفِيعَةٍ عَالِيَةٍ لا يَصِلُهَا إلاَّ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ (٢)،


(١) أنظر فيض القدير حديث رقم: ١٣٤٨ ٠
(٢) جاء في الحديث عن مَعْدَانُ بن أبي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ قال: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ قُلْتُ بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ سألتُه فَسَكَتَ، ثُمَّ سَألتُهُ الثَّالِثَةَ فقال: سَألْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً " ٠ (رواه مسلم)
قال الإمام النَّووي معلقا على الحديث: فِيهِ الْحَثّ عَلَى كَثْرَة السُّجُود، وَالتَّرْغِيب، وَالْمُرَاد بِهِ السُّجُود فِي الصَّلاة، وَفِيهِ دَلِيل لِمَنْ يَقُول تَكْثِير السُّجُود أَفْضَل مِنْ إِطَالَة الْقِيَام، وَسَبَب الْحَثّ عَلَيْهِ الْحَدِيث " أقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد" وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} وَلأنَّ السُّجُود غَايَة التَّوَاضُع وَالْعُبُودِيَّة لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ تَمْكِين أَعَزِّ أعْضَاء الإِنْسَان وَأعْلَاهَا وَهُوَ وَجْهه مِنْ التُّرَاب الَّذِي يُدَاس وَيُمْتَهَن٠

رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأسْلَمِيُّ رضي الله عنه قال: كُنْتُ أبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: "سَلْ" فَقُلْتُ أسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَال: " أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ" قُلْتُ هُوَ ذَاكَ، قال: " فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ "٠ (رواه مسلم)
وعَنْوِنَ الإمام مسلم للباب الذي أورد فيه الحديثين فقال: بَاب فَضْلِ السُّجُودِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ٠

<<  <  ج: ص:  >  >>