فكونه _ عز وجل _ أجاب إبليس سؤله، وأنظره إلى يوم القيامة _ ليس ذلك إكرامًا لإبليس، بل إهانة له؛ ليزداد إثمًا فتعظم عقوبته، ويتضاعف شقاؤه وعذابه، إضافة إلى ذلك فإن الله _ عز وجل _ جعله مَحكًّا يتميز به الخبيث من الطيب، وما دام أن الخلق مستمر إلى يوم القيامة _ فإن هذا يقتضي بقاءه ببقاء خلق البشر والله أعلم. (١)
(كذلك عدم استجابة الدعاء لا تدل على فساد الداعي في كل الأحوال؛ فهناك سؤال منعه الله نبينا محمدًا"قال _ عليه الصلاة والسلام _:=سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. (٢)
فالله _ عز وجل _ منع نبيه محمدًا"الدعوة الثالثة، وليس ذلك دليلاً على أن الرسول"لا مكانة له عند ربه، أو أنه غير مستجاب الدعوة، بل هو سيد البشر، ودعاؤه مستجاب، ولكن الله _ عز وجل _ منعه تلك الدعوة لحكم عظيمة؛ منها أن يُعْلَمَ أن الرسول"بشر، ليس له من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، بيده الضر والنفع، والعطاء والنفع.
(١) انظر: شفاء العليل لابن القيم، ص٣٦٤_٤١٢ و ٤٤٥_٤٦٠، وطريق الهجرتين لابن القيم، ص١٨١_١٨٣، ومقدمة مفتاح دار السعادة، ص٣ فما بعدها، والفوائد لابن القيم، ص١٣٦_١٤٠، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ص٢٥٢_٢٥٦، والذكر والدعاء للقحطاني، ص١١٩_١٢١. (٢) رواه مسلم (٢٨٩٠) الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.