للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إذا المرء يحمي نفسه حِلَّ شهوةٍ ... لصحة أيام تبيد وتنفد

فما باله لا يحتمي من حرامها ... لصحة ما يبقى له ويخلَّدُ (١)

وقيل إن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان ينشد هذين البيتين:

اقدع النفس بالكفاف وإلا ... طلبت منك فوق ما يكفيها

إنما أنت طول عُمْرك ما عُمَّرت في الساعة التي أنت فيها (٢)

وقال الآخر:

ومن يطعم النفس ما تشتهي ... كمن يطعم النارَ جَزْل الحطب (٣)

=ويقولون: إن سليمان بن عبد الملك لم يقل بيت شعر قط إلا هذا البيت:

إذا أنت لم تعصِ الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال (٤)

ولا تعني المجاهدة أن يجاهد المرء نفسه مرة أو مرات، وإنما يجاهدها في ذات الله حتى الممات.

فإذا وطن نفسه على المجاهدة أقبلت عليه الخيرات، وانهالت عليه البركات.

[*] (قال ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى: ولو لم يكن من بركات مجاهدة النفس في حقوق الله، والانتهاء عن محارم الله إلا أنه يعطف عليك، فيسخّرها لك، ويطوّعها لأمرك، حتى تنقاد لك، ويسقط عنك مؤونة النزاع لها، حتى تصير طوع يدك وأمرك، تعاف المستطاب عندها إذا كان عند الله خبيثاً، وتُؤْثر العمل لله وإن كان عندها بالأمس كريهاً، وتستخفه وإن كان عليها ثقيلاً، حتى تصير رقَّاً لك بعد أن كانت تَسْتَرقُّك.

وكذا كل من حقق العبودية لسيده استعبد له من كان يملكه، وألان له ما كان يعجزه (٥).

(إلى أن قال رحمه الله تعالى: ما أبرك طاعة الله على المطيع؛ قوم سخر لهم الرياح، والمياه، والحيوانات، وقوم أعاق عليهم الحوائج، وكسرها في صدورهم (٦).

ولو لم يأت الإنسان من مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى إلا أن يتحرر من رق الهوى، وسلطان الشهوة.

رب مستور سبته شهوة ... فتعرى ستره فانهتكا

صاحب الشهوة عبد فإذا ... غلب الشهوة أضحى ملكا (٧)

[*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة؛ ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلاً؛ لأنه قُهِر، بخلاف غالب الهوى فإنه يكون قوي القلب عزيزاً؛ لأنه قَهَر (٨).


(١) روضة المحبين ص ٣٩٩.
(٢) روضة المحبين ص ٣٩٩.
(٣) إيوان الألمعي شرح ديوان الرافعي ص ٢٢.
(٤) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ١٣١.
(٥) كتاب الفنون ٢/ ٤٩٦.
(٦) كتاب الفنون ٢/ ٤٩٦.
(٧) روضة المحبين ص ٤٨١، وانظر روضة المحبين ص ٤٦٨_٤٨٢ ففيه كلام جميل في فضل المجاهدة حيث ذكر أموراً تبلغ الخمسين في فضل المجاهدة.
(٨) صيد الخاطر ص ١١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>