وليس في ذلك حجة لمن أراد أن يقتدي به، وإن كان لأحد رغبة في الاقتداء بذلك الفاضل فليكن في أي جانب من جوانب فضله، لا في الجانب الذي يعد زراية به.
وأما القول بأن للعشق فضائل كما ذكر قبل قليل فيقال: بأن هذه الفضائل تحصل في العشق بمفهومه الشامل كما ذكر في فقرة سابقة.
ولو فرض أن هذه المنافع تحصل بالعشق المعهود لما أَرْبَتْ على مفاسده ومضاره، وما كان ضرره أكثر من نفعه فالمتعين تحريمه، وتركه، وتجنب السبل المفضية إليه.
وقد يستدل بعضهم على جواز العشق وإباحته بحديث: من عشق، فعف، وكتم، وصبر، ثم مات كان شهيداً.
وهذا الحديث باطل موضوع كما بين ذلك العلماء (١).
(١) الحديث أخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ٣٤٩، والخطيب البغدادي في تاريخه ٥/ ١٥٦، ٢٦٢، و ٦/ ٥٠_٥١. قال ابن القيم في الجواب الكافي ص ٥٥٩: =وأما حديث من عشق فعف. .+ فهذا يرويه سويد بن سعيد، وقد أنكره حفاظ الإسلام عليه+. وقال في ص ٥٦٢: =وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يرجع في هذا الشأن، وما صححه، بل ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه، ويرجع في التصحيح إليه، ولا من عادته التساهل والتسامح+. وقال في زاد المعاد ٤/ ٢٥٢_٢٥٦: =ولا يغتر بالحديث الموضوع على رسول الله"الذي رواه سويد بن سعيد، فذكر حديث =من عشق فعف فمات فهو شهيد+. وقال: =فإن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله"ولا يجوز أن يكون من كلامه؛ فإن الشهادة درجة عالية عند الله، مقرونة بدرجة الصديقية، ولها أعمال وأحوال هي من شرط حصولها، وهي نوعان: عامة، وخاصة؛ فالخاصة الشهادة في سبيل الله، والعامة مذكورة في الصحيح ليس العشق واحداً منها. وكيف يكون العشق الذي هو شرك في المحبة، وفراغ القلب عن الله، وتمليك القلب والروح، والحب لغيره تنال به درجة الشهادة؟ هذا من المحال؛ فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد، بل هو خمر الروح الذي يسكرها، ويصدها عن ذكر الله وحبه، والتلذذ بمناجاته، والأنس به، ويوجب عبودية القلب لغيره؛ فإن قلب العاشق متعبد لقلب معشوقه، بل العشق لب العبودية؛ فإنها كمال الذل، والحب، والخضوع، والتعظيم؛ فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل الموحدين وسادتهم وخواص الأولياء؛ فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما، ولا يحفظ عن رسول الله"لفظ العشق في حديث البتة+.
إلى أن قال: =فكيف يظن بالنبي"أنه يحكم على كل عاشق يكتم، ويعف بأنه شهيد، فترى من يعشق امرأة غيره، أو يعشق المردان والبغايا ينال بعشقه درجة الشهداء؟ وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه"بالضرورة؟ والتداوي منه إما واجب إن كان عشقاً حراماً، وإما مستحب+.