لَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى البُخَلاَءَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، وَهُنَا يَذْكُرُ تَعَالَى البَاذِلِينَ المُرَائِينَ، الذِينَ يَقْصِدُونَ بِإِعْطَائِهِمْ أنْ يُذْكَرُوا بِحُسْنِ السُّمْعَةِ، وَأَنْ يُمْدَحُوا بِالكَرَمِ، وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَلاَ يُرِيدُونَ مِنْ إِنْفَاقِهِمْ وَجْهَ الله، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمُ الشَّيْطَانُ عَلَى صَنِيعِهِمِ القَبِيحِ هَذا، وَحَسَّنَ لَهُمُ القَبَائِحَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِينَا، أَيْ سَاءَ الشَّيْطَانُ رَفِيقاً لِهؤُلاَءِ المُرَائِينَ.
تَبّاً لِهَؤُلاءِ! فَمَا الذِي كَانَ يُصِيبُهُمْ مِنَ الضَّرَرِ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللهِ إِيْمَاناً صَحِيحاً مُخْلِصاً، وَسَلَكُوا سَبِيلَ الهُدَى، وَعَدَلُوا عَنِ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ إلَى الإِخْلاَصِ فِي الاعْتِقَادِ بِأَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمِ فِي الآخِرَةِ لِيُوفِّيَهُمْ حِسَابَهُمْ، ثُمَّ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمْ اللهُ فِي الوُجُوهُ التِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا، وَاللهُ عَلِيمٌ بِنِيَّاتِهِمْ، مَا صَلَحَ مِنْهَا وَمَا فَسَدَ، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَّحِقُ التَّوْفِيقَ مِنْهُمْ فَيُوَّفِقَهُ، فَعَلَى المُؤْمِنُ أنْ يَكْتَفِي بِعِلِمِ اللهِ فِي إِنْفَاقِهِ، وَلاَ يُبَالِي بِعْلِمِ النَّاسِ.
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّهُ سَوْفَ يُوَّفِيِهِمْ أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ كَامِلَةً، وَلاَ يَظْلِمُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ مِثْقَالَ (أَيْ ثِقْلَ) حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وَلاَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنَّمَا يُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ، وَيُضَاعِفُ الحَسَنَاتِ لِفَاعِلِيهَا، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَيُؤْتِي مِنْ لَدُنْهُ الجَنَّة لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَهِيَ الأَجْرُ العَظِيمُ الذِي وَعَدَهُمْ بِهِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute