وفرغ مرة من الأكل، فقال: الحمد لله الذي لا يحلف بأعظم منه.
ونزل مع الوزير الخاقاني في المركب وبيده بطيخة كافور، فبصق في وجه الوزير وألقى البطيخة في دجلة. ثم أخذ يعتذر قال: أردت أن أبصق في وجهك وألقي البطيخة في الماء، فغلطت. فقال: هكذا فعلت يا جاهل.
ومع هذا كان سعيدًا متمولًا محظوظًا.
قال أبو علي التنوخي في نشواره (١): سمعت الأمير جعفر بن ورقاء يقول: اجتزت بابن الجصاص، وكان بيننا مصاهرة، فرأيته على روشن داره وهو حاف حاسر، يعدو كالمجنون، فلما رآني استحيا، فقلت: ويلك، ما لك؟ فقال: يحق لي أن يذهب عقلي، وقد أخذوا مني كذا وكذا أمرًا عظيمًا.
فقلت مسليًا له: ما سلم لك يكفي. وإنما يقلق هذا القلق من يخاف الحاجة، فاصبر حتى أوافقك بأنك غني. قال: هات. فقلت: أليس دارك هذه بفرشها وآلاتها لك؟ وعقارك بالكرخ وضياعك؟ فما زلت أحاسبه إلى أن بلغ قيمة ما بقي له سبعمائة ألف دينار.
ثم قلت: وأصدقني عما سلم لك من الجوهر والعبيد والخيل وغير ذلك. فحسبنا ذلك، فإذا هو بقيمة ثلاثمائة ألف دينار أخرى، فقلت: فمن ببغداد مثلك اليوم وجاهك قائم بحاله؟! فسجد لله وبكى، وقال: قد أنقذني الله بك. وما عزاني أحد أنفع منك، وما أكلت شيئًا منذ ثلاث، وأحب أن تقيم عندي لنأكل ونتحدث. فقلت: أفعل. فأقمت يومي عنده وتحدثنا.
قال التنوخي (٢): وكنت اجتمعت مع أبي علي ولد أبي عبد الله ابن الجصاص فسألته عما يحكى عن أبيه من أن الإمام قرأ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقال: إي لعمري، بدل آمين.
وإنه أراد أن يقبل رأس الوزير الخاقاني، فقال: إن فيه دهنًا. فقال: لو كان فيه خرا لقبلته. ومثل وصفه مصحفًا عتيقًا فقال: كسرويًا. فقال (٣): غالبه كذب، وما كانت فيه سلامة
(١) النشوار ١/ ٢٦ - ٢٨. (٢) النشوار ١/ ٢٩ - ٣٥. (٣) القائل هو الابن يدافع عن أبيه.