قِيلَ إنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا مَثَّلَ الْمُشْرِكُونَ بِحَمْزَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِضِعْفَيْ مَا مَثَّلُوا بِنَا» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ -وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: ٨٥] (سورة الإسراء: من الآية ٨٥) . وَقَوْلِهِ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: ١١٤] (سوره هود: من الآية ١١٤) . وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ جَرَى بِالْمَدِينَةِ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْخِطَابَ، فَأُنْزِلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً -فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، " بل نصبر ". وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه- قال: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْ في حاجه نفسه أوصاه في خاصة نفسه بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خيراً، ثم يقول: اغزوا بسم الله، في سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ، وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلَيَدًا» . وَلَوْ شَهَرُوا السِّلَاحَ فِي الْبُنْيَانِ -لَا فِي الصَّحْرَاءِ- لِأَخْذِ الْمَالِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمْ ليسموا مُحَارِبِينَ، بَلْ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يُدْرِكُهُ الْغَوْثُ، إذَا اسْتَغَاثَ بِالنَّاسِ. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: إنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ -فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ- وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ هُمْ فِي الْبُنْيَانِ أَحَقُّ بِالْعُقُوبَةِ مِنْهُمْ فِي الصَّحْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْبُنْيَانَ مَحَلُّ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ تَنَاصُرِ النَّاسِ وَتَعَاوُنِهِمْ، فَإِقْدَامُهُمْ عَلَيْهِ يَقْتَضِي شِدَّةَ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَسْلُبُونِ الرَّجُلَ فِي دَارِهِ جَمِيعَ مَالِهِ، وَالْمُسَافِرُ لَا يَكُونُ مَعَهُ-غَالِبًا- إلَّا بَعْضُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.